فأدلَّة الطريق هم العلماء الَّذين هم ورثة الأنبياء وقد شغر عنهم الزمان [ 1 ] ولم يبق إلا المترسّمون ، وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان ، واستغواهم الطغيان ، فأصبح كلّ واحد منهم بعاجل حظَّه مشغوفا ، فصار يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا ، حتّى ظلّ علم الدّين مندرسا ، ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمسا ، ولقد خيّلوا إلى الخلق أن لا علم إلا [ علم ال ] فتوى حكومة تستعين بها القضاة على فصل الخصام عند تهارش الطغام [ 2 ] أو جدل يتذرّع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام [ 3 ] ، أو سجع مزخرف يتوسّل به الواعظ إلى استدراج العوامّ ، إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للعوامّ ومجلبة للحرام ، وشبكة للحطام .
فأمّا علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح ممّا سمّاه اللَّه سبحانه في كتابه فقها ، وحكمة ، وعلما ، وضياء ، ونورا ، وهداية ، ورشدا فقد أصبح من بين الخلق مطويّا ، وصار نسيا منسيّا » .
قال [ 4 ] : « ولمّا كان هذا ثلما في الدّين ملمّا ، وخطبا مدلهمّا [ 5 ] رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مهمّا ، إحياء لعلوم الدّين ، وكشفا عن مناهج الأئمّة المتقدّمين ، وإيضاحا لما هي [ 6 ] العلوم النافعة عند النبيّين ، والسلف الصالحين » .
أقول : ولهذا السبب بعينه مع ما ذكرت من الأمور اشتغلت بتهذيب كتابه وإحياء إحيائه ، إحياء لعلوم الدّين بحياة أخرى ، وكشفا عن مناهج أئمّة الدّين بهداية أرفع وأعلى ، وسمّيته بالمحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء وإن شئت قلت : في إحياء الإحياء وتقرّبت بذلك إلى اللَّه سبحانه ، نفع اللَّه به السالكين وجعله لي ذخرا ليوم الدّين
هامش
[ 1 ] شغر البلد أي خلا من الناس ( الصحاح ) .
[ 2 ] التهارش : التواثب ، في القاموس « تهارشت الكلاب بعضها بعضا تواثبت » .
والطغام : أوغاد الناس وسفلتهم .
[ 3 ] « يتذرع » من الذريعة وفي بعض النسخ بالدال وتدرع وأدرع : لبس الدرع .
وأفحمه : أسكته بالحجة في خصومة .
[ 4 ] يعني قال صاحب الإحياء .
[ 5 ] أي مظلما .
[ 6 ] كذا وفي أكثر نسخ الإحياء وشرح الزبيدي أيضا [ لمناهي ] .