وذلك لأنّ تلك المواضع بمنزلة حريم للعورة ، وقد قيل بوجوب سترها أيضا . قال الصدوق - رحمه اللَّه - : وقال أمير المؤمنين عليه السّلام : « نعم البيت الحمّام ، تذكر فيه النّار ويذهب بالدّرن » ( 1 ) . وقال أمير المؤمنين عليه السّلام : « بئس البيت الحمّام يهتك الستر ويذهب بالحياء » . ( 2 ) وقال الصادق عليه السّلام : « بئس البيت الحمّام يهتك الستر ويبدي العورة ، ونعم البيت الحمّام يذكر حرّ النّار » ( 3 ) . أقول : وقد ذكر أبو حامد في سنن الحمّام « أن يتذكَّر حرّ النار بحرارته ويقدّر نفسه محبوسا في البيت الحارّ ساعة ويقيسه إلى جهنّم ، فإنّه أشبه بيت بجهنّم ، النّار من تحت ، والظلام من فوق ، نعوذ باللَّه منها ، قال : بل العاقل لا يغفل عن ذكر الآخرة في لحظة فإنّها مصيره ومستقرّه فيكون له في كلّ ما يراه من ماء أو نار أو غيرهما عبرة وموعظة ، فإنّ المرء ينظر بحسب همّته ، فإذا دخل بزّاز ونجّار وبنّاء وحائك دارا معمورة مفروشة ، فإذا تفقّدتهم رأيت البزّاز ينظر إلى الفرش ، يتأمّل قيمتها ، والحائك ينظر إلى الثياب ، يتأمّل نسجها ، والنجّار ينظر إلى السقف ، يتأمّل كيفيّة تركيبها [ 1 ] ، والبنّاء ينظر إلى الحيطان ، يتأمّل كيفيّة إحكامها واستقامتها ، فكذلك سالك طريق الآخرة لا يرى من الأشياء إلا ما يكون له موعظة من الآخرة ، بل لا ينظر إلى شيء إلا ويفتح اللَّه له فيه طريق عبرة ، فإن نظر إلى سواد يذكر ظلمة اللَّحد ، وإن نظر إلى حيّة يذكر أفاعي جهنّم ، وإن نظر إلى صورة قبيحة يذكر منكرا ونكيرا والزبانية ، وإن سمع صوتا هلائلا يذكر نفخة الصور ، وإن رأى شيئا حسنا يذكر نعيم الجنّة ، وإن سمع كلمة ردّ أو قبول في سوق أو دار يذكر ما ينكشف له في آخر أمره بعد الحساب من الردّ أو القبول ، وما أجدر أن يكون هذا هو الغالب على قلب العاقل إذ لا يصرفه عنه إلا مهمّات الدنيا ، فإذا نسب مدّة المقام في الدّنيا إلى مدّة المقام
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 318
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣١٨
هامش
( 1 ) الفقيه ص 26 تحت رقم 21 و 22 و 23 .
( 2 ) الفقيه ص 26 تحت رقم 21 و 22 و 23 .
( 3 ) الفقيه ص 26 تحت رقم 21 و 22 و 23 .
[ 1 ] أراد به السقوف التي كانت في زمانه حيث يزخرفون السقوف باشكال هندسية ولا يزال بعضها باقيا إلى عصرنا .