فكيف لهم باختيار الأصلح وليس لهم سبيل إلى الاطَّلاع على الباطن ومكنون السريرة ، هذا كليم اللَّه عليه السّلام مع نبوته ورسالته وكلامه مع اللَّه اختار من قومه سبعين رجلا لميقات ربّه فرفع اختياره على الأفسد دون الأصلح ، وهذا نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان ممّن حوله « منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا يعلمهم » هو بالنفاق فخاطبه اللَّه تعالى بقوله : « لا تعلمهم نحن نعلمهم » ( 1 ) فكيف يجوز لآحاد الناس معرفة الأصلح فلعلَّهم يختارون منافقا مضلا لا يعرفون نفاقه ومكره فيفسد الأمّة بفساد ضميره ، كلا بل لا يجوز الاختيار إلا لمن يعلم ما تخفي الصدور وتكنّ الضمائر وليس إلا اللَّه عزّ وجلّ ، « وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللَّه » . وعن السجّاد عليه السّلام « الإمام منّا لا يكون إلا معصوما وليست العصمة في ظاهر الخلقة فتعرف ، ولذلك لا يكون إلا منصوصا » ( 2 ) . وأمّا غيبة بعض الأئمّة في بعض الأحيان وعدم تمكَّنه من إجراء الأحكام فإنّما ذلك من جهة الرعيّة دون الإمام ، فليس ذلك نقضا على لطف اللَّه تعالى ، فإنّما على اللَّه إيجاد الإمام للرعيّة ليجمع به شملهم ، فإن لم يمكَّنوه من فعله لعدم قابليّتهم وسوء استعدادهم فما على اللَّه من ذلك حجّة « فما كان اللَّه ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون » مع أنّ ما في غيبته من الخيرات والحكم من تضاعيف مثوبات المؤمنين بها المصدّقين بوجود الإمام في أعمالهم الصالحات ما يسهل معها فوات إقامة الحدود ونحوها . * ( فصل ) * وبعبارة أخرى نقول : يجب أن يكون الإمام أفضل أهل زمانه وأقربهم إلى اللَّه عزّ وجلّ ، وأن يجمع فيه خصال الخير المتفرّقة في غيره ، مثل العلم بكتاب اللَّه تعالى وسنّة رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، والفقه في دين اللَّه تعالى ، والجهاد في سبيل اللَّه ، والرغبة فيما عند
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 232
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٣٢
هامش
( 1 ) التوبة : 101 .
( 2 ) رواه الصدوق - رحمه اللَّه - في المعاني ص 132 .