تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥

هذا جوّز للنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ما لا يجوّز لغيره حتّى أبيح له تسع نسوة إذ كان له صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم من القوّة ما يتعدّى منه صفة العدل إلى نسائه وإن كثرن وأمّا غيره فلا يقدر على العدل بل يتعدّى ما بينهنّ من الضرار إليه حتّى ينجرّ إلى معصية اللَّه تعالى في طلب رضاهنّ ، فما أفلح من قاس الملائكة بالحدّادين . الخامسة أن لا يدع طالب العلم فنّا من العلوم المحمودة ولا نوعا من أنواعها إلا وينظر فيه نظرا يطَّلع منه على مقصد ذلك العلم وغايته ، ثمّ إن ساعده العمر طلب التبحّر فيه وإلا اشتغل بالأهمّ منه فاستوفاه وتطرّف من البقيّة فإنّ العلوم متعاونة وبعضها مرتبط بالبعض ويستفيد منه في الحال الانفكاك عن عداوة ذلك العلم بسبب جهله ، فإنّ الناس أعداء ما جهلوا ، قال اللَّه تعالى : « وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم » ( 1 ) وقال الشاعر : ومن يك ذا فم مرّ مريض * يجد مرّا به الماء الزلالا فالعلوم على درجاتها ، إمّا سالكة بالعبد إلى اللَّه تعالى ، وإمّا معينة على السلوك نوعا من الإعانة ، ولها منازل مرتّبة في القرب والبعد من المقصود ، والقوّام بها حفظة كحفظة الرباطات والثغور ، ولكلّ واحد رتبة وله بحسب درجته أجر في الآخرة إن قصد به وجه اللَّه تعالى جلّ جلاله . السادسة أن لا يأخذ فرقة [ 1 ] من فنون العلم دفعة واحدة بل يراعي القريبة فإنّ العمر إذا كان لا يتّسع لجميع العلوم غالبا فالحزم أن يأخذ من كلّ شيء أحسنه ويكتفي منه بشمّه ويصرف جمام قوّته في الميسور من علمه إلى استكمال العلم الَّذي هو أشرف العلوم وهو علم الآخرة ، أعني قسمي المعاملة والمكاشفة ، فغاية المعاملة المكاشفة ، وغاية المكاشفة معرفة اللَّه تعالى ، ولست أعني به الاعتقاد الَّذي تلقّفه العاميّ وراثة أو تلقّفا ، ولا طريق تحرير الكلام والمجادلة في تحصين ذلك عن مراوغات الخصوم [ 2 ]

هامش
( 1 ) الأحقاف : 11 .
[ 1 ] في بعض نسخ الاحياء « أن لا يخوض في فن » . [ 2 ] راوغه مراوغة : صارعه وخادعه ، راوغه على الأمر : رواده ، راوغ القوم : طلب بعضهم بعضا على وجه المنكر .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 115 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري