مهربا من سبع ضاري يفترسه لم يفرّق بين أن يرشده إلى المهرب مشهور أو خامل ، وضراوة سباع النّار بالجهّال باللَّه عزّ وجلّ أشد من ضراوة كلّ سبع ، فالحكمة ضالَّة المؤمن يغتنمها حيث يظفر بها ، ويتقلَّد المنّة لمن ساقها إليه كائنا من كان ، ولذلك قيل : العلم حرب للفتى المتعالي * كالسيل حرب للمكان العالي فلا ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع ، قال اللَّه عزّ وجلّ : « إنَّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد » ( 1 ) ومعنى كونه ذا قلب أن يكون قابلا للعلم فهما ، ثمّ لا يغنيه القدرة على الفهم حتّى يلقي السمع وهو شهيد حاضر القلب يستقبل كلّ ما القي إليه بحسن الإصغاء والضراعة والشكر والفرح وقبول المنّة للَّه تعالى ، فليكن المتعلَّم لمعلَّمه كأرض دمثة نالت مطرا غزيرا [ 1 ] فشربت بجميع أجزائها وأذعنت بالكلَّية لقبوله ، ومهما أشار إليه المعلَّم بطريق في التعلَّم فليقلَّده وليدع رأيه فإنّ خطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه ، إذ التجربة تطلع على دقائق يستغرب سماعها مع أنّه يعظم نفعها ، فكم من مريض محرور يعالجه الطبيب في بعض أوقاته بالحرارة ليزيد في قوّته إلى حدّ يحتمل صدمة العلاج فيتعجّب منه من لا خبرة له ، وقد نبّه اللَّه عزّ وجلّ بقصّة الخضر وموسى صلوات اللَّه عليهما حيث قال الخضر : « إنّك لن تستطيع معي صبرا . وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا » ( 2 ) ثمّ شرط عليه السكوت والتسليم فقال : « فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيء حتّى أحدث لك منه ذكرا » ثمّ لم يصبر ولم يزل في مراودته إلى أن كان ذلك سبب فراق ما بينهما . وبالجملة كلّ متعلَّم استبقى لنفسه رأيا واختيارا وراء اختيار المعلَّم فاحكم عليه بالإخفاق والخسران . فإن قلت : فقد قال اللَّه تعالى : « فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون » ( 3 ) فالسؤال مأمور به ، فاعلم أنّه كذلك ولكن فيما يأذن المعلَّم في السؤال عنه فإنّ السؤال
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 113
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١١٣
هامش
( 1 ) سورة ( ق ) : 37 .
( 2 ) الكهف : 67 و 68 .
( 3 ) النحل : 43 .
[ 1 ] أرض دمثة أي سهلة لينة . والغزير : الكثير .