شرح
الذنوب وكونها حجابا بين العبد ومحبوبة ، وسموما قاتلة لمن يباشرها ، فإذا عرف ذلك وتيقنه حصل له من ذلك حالة ثانية هي التألم لفوات المحبوب ، والتأسف من فعل الذنوب وهذا التألم والتأسف هو المعبر عنه بالندم ، وإذا غلب هذا الألم حصل حالة ثالثة هي القصد إلى أمور ثلاثة لها تعلق بالحال والاستقبال والمضي ، فالمتعلق بالحال هو ترك ما هو مقيم عليه من الذنوب ، والمتعلق بالاستقبال هو العزم على عدم العود إليها إلى آخر العمر والمتعلق بالماضي تلافى ما يمكن تلافيه من قضاء الفوائت والخروج من المظالم ، فهذه الثلاثة أعني المعرفة والندم والقصد إلى المذكورات أمور مترتبة في الحصول ، وقد يطلق على مجموعها اسم التوبة ، وكثيرا ما يطلق على الثاني أعني الندم وحده ، وتجعل المعرفة مقدمة لها ، وذلك القصد ثمرة متأخرة عنها ، وقد يطلق على مجموع الندم والعزم هذا ، وقد عرفها بعض أصحاب القلوب برجوع الآبق عن الجرم السابق ، وبعضهم بإذابة الأحشاء لما سلف من الفحشاء ، وبعضهم بأنها خلع لباس الجفاء وبسط بساط الوفاء ، انتهى .
وأقول : إذا عرفت أن عدم العود إلى الذنب فيما بقي من العمر لا بد منه في التوبة ، فهل إمكان صدوره منه في بقية العمر شرط ، حتى لو زنا ثم جب وعزم على أن لا يعود إلى الزنا على تقدير قدرته عليه لم تصح توبته ، أم ليس بشرط فتصح ؟ الأكثر على الثاني ، بل نقل بعض المتكلمين إجماع السلف عليه ، وأولى من هذا بصحة التوبة من تاب في مرض مخوف غلب على ظنه الموت فيه .
أما التوبة عند حضور الموت وتيقن الفوت وهو المعبر عنه بالمعاينة فقد انعقد الإجماع على عدم صحتها ونطق بذلك القرآن العظيم ، قال سبحانه : « وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً » ( 1 ) وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
هامش
( 1 ) سورة النساء : 18 .