تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
شرح
تعالى : « وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ » ( 1 ) . ولاطلاع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عظيم صنع الله في عجائب القلب وتقلبه كان يحلف به وكان يقول : ولا مقلب القلوب ، وكان كثيرا ما يقول صلى الله عليه وآله وسلم : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، قالوا : أو تخاف يا رسول الله ؟ فقال : وما يؤمنني والقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء ، وفي لفظ آخر : إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه ، وضرب له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أمثلة فقال : مثل القلب مثل العصفور تنقلب في كل ساعة ، وقال : مثل القلب في تقلبه كالقدر إذا استحمت غليانا وقال صلى الله عليه وآله وسلم : مثل القلب كمثل ريشة في أرض فلاة تقلبها الرياح ظهر البطن ، وهذه التقلبات من عظيم صنع الله في تقليبه من حيث لا يهتدى إليه ، لا يعرفه إلا المراقبون لقلوبهم ، والمراعون لأحوالهم مع الله تعالى ، والقلوب في الثبات على الخير والشر والتردد بينهما ثلاثة ، قلب عمر بالتقوى وزكى بالرياضة ، وطهر من خبائث الأخلاق ، فينقدح فيه خواطر الخير من خزائن الغيب ، ومداخل الملكوت ، فيتصرف العقل إلى التفكر فيما خطر ليعرف دقائق الخير فيه ، ويطلع على أسرار فوائده ، فينكشف له بنور البصيرة وجهه ، فيحكم بأنه لا بد من فعله ، ويستحث عليه ، ويدعو إلى العمل به ، فينظر الملك إلى القلب فيجده طيبا في جوهره ، طاهرا بتقواه مشيرا بضياء العقل ، معمورا بأنوار المعرفة ، ويراه صالحا لأن يكون مستقرا له ، فعند ذلك يمده بجنود لا ترى ويهديه إلى خيرات أخرى حتى ينجر الخير إلى الخير . وكذلك على الدوام لا يتناهى إمداده بالترغيب في الخير ويتيسر الأمر عليه وإليه الإشارة بقوله تعالى : « فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى » ( 2 ) وفي مثل هذا القلب يشرق نور المصباح من مشكاة الربوبية حتى لا
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 110 . ( 2 ) سورة الليل : 6 .