والدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْوَالِدَانِ ثُمَّ عَطَفَ الْقَوْلَ عَلَى ابْنِ حَنْتَمَةَ وصَاحِبِه فَقَالَ فِي
شرح
مدخليتهما في الحياة الجسمانية المنقضية بالموت ، وتلك باقية أبدية وميراث الأخيرين المال الفاني الذي لا ينتفع به إلا في تلك الحياة القليلة الفانية ، وميراث الأولين العلم والحكمة الباقيان في ملك الأبد بلا فناء ولا انقضاء ، فهما أولى بالذكر والشرك والانقياد والطاعة .
" والدليل على ذلك " قيل : يحتمل معنيين : أحدهما : أن الذي يدلك على أن المصير إلى الله تعالى الوالدان ، والثاني : الذي يدلك على كيفية المصير إليه تعالى الوالدان .
وأقول : يحتمل أن يكون المعنى أن لفظ الوالدين يدل على ما ذكره من تفسيرهما ويرفع الاستبعاد عنه ، لأن المجاز في التغليب ليس بأولى من المجاز في أصل الكلمة ، لكن يشكل حملهما على ذلك من جهة التصريح في الآية بما يعين كون المراد الوالدين الجسمانيين وهو قوله : « حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ » .
ويمكن توجيهه بوجوه : الأول : أن تكون جملة : « حَمَلَتْهُ أُمُّهُ » معترضة لبيان أشدية حق الوالدين في العلم ، على الوالدين في النسب ، بأن لهما مدخلية في التربية في زمان قليل في قوام البدن ، والوالدان الروحانيّان حقوقهما باقية عليه ما بقي في الدنيا فإن العلم من المهد إلى اللحد ، وفي الآخرة أيضا بالشفاعة والنجاة من أهوال القيامة والتشرف بخدمتهم في الجنان ما توالت الأزمان .
الثاني : أن يكون المراد بالوالدين أولا المعنى الحقيقي ، وثانيا المعنى المجازي بتقدير عطف أو فعل ، أو بأن يكون الباء في قوله : « بِوالِدَيْهِ » سببية لا صلة للوصية ، أي وصيناه بسبب رعاية والديه الجسمانيين ووجوب رعايتهما عقلا ونقلا الشكر لوالديه الروحانيين ، فإنهما أحرى بذلك ، والدليل عليه ضم الشكر لله في الثاني دون الأول فتأمل .