وهذا الصراع ما كان له أن يحدث ، وما كان لتلك الفرقة التي شقت صف الأمة على
امتداد الأجيال ، وأغرقتها بالمواجهة الدموية أن تقع بهذا الشكل الذي حدث ، لو أن
المسلمين تمسكوا بما صدر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيان وتشخيص في هذه
المسألة .
فقد حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على مستقبل الأمة ، وحفظ مسيرتها منذ بدء
الدعوة فلم يكن ليدعها تتخبط في الفوضى والخلاف ، وهو الحكيم المؤتمن على هذه
الرسالة ومصير الأمة ، الذي وصفه رب العزة بقوله : ( لقد جاءكم رسول من
أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف
رحيم ) التوبة : 128 .
ولقد أرخ رواة الحديث مسألة الإمامة وتشخيص الإمام علي بن أبي طالب مستحقا لها على
لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعينا له ، بدءا من بداية الدعوة في حديث
إنذار العشيرة ، يوم جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني هاشم ، ودعاهم إلى
الإسلام ، فلم يجيبوه ، فنادى فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فأيكم
يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فأحجم القوم إلا
عليا ، وهو أصغر القوم يومئذ حيث قام وقال : أنا يا رسول الله ، فقال : أنت ( 1 ) .
ويسجل التاريخ والرواة ، وعلماء السير أن أبرز حدث تأريخي في حياة الأمة قد حدث بعد
رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع حيث استوقف الحجيج قرب ماء يدعى
غدير خم . وألقى فيه خطبته الشهيرة خطبة الوداع ، التي جاء فيها : . . . أيها الناس إن
الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فهذا
علي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . . .
هامش
( 1 ) مسند أحمد : 1 / 178 ج 885 ، تاريخ الطبري - بتحقيق محمد أبو الفضل : 2 / 319 -
321 ، شواهد التنزيل - تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي : 1 / 542 .