وندبر فيه أمورنا أما أنفسنا فأنبنا ورجعنا بها إليك وهو الإنابة ، وأما أمورنا التي كان علينا تدبيرها فتركناها لك وجعلنا مشيّتك مكان مشيّتنا فأنت وكيلنا فيها تدبرها بما تشاء وكيف تشاء وهو التوكل .
ثم قالوا :
« وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ »
يعنون به أن مصير كل شيء من فعل أو فاعل فعل إليك فقد جرينا في توكلنا عليك وإنابتنا إليك مجرى ما عليه حقيقة الأمر من مصير كل شيء إليك حيث هاجرنا بأنفسنا إليك وتركنا تدبير أمورنا لك .
وقوله :
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا
متن دعائهم يسألونه تعالى أن يعيذهم من تبعة تبريهم من الكفار ويغفر لهم .
والفتنة ما يمتحن به ، والمراد بجعلهم فتنة للذين كفروا تسليط الكفار عليهم ليمتحنهم فيخرجوا ما في وسعهم من الفساد فيؤذوهم بأنواع الأذى أن آمنوا باللّه ورفضوا آلهتهم وتبرءوا منهم ومما يعبدون .
وقد كرّروا نداءه تعالى - ربنا - في دعائهم مرة بعد مرة لإثارة الرحمة الإلهية .
وقوله :
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
أي غالب غير مغلوب متقن لأفعاله لا يعجز أن يستجيب دعاءهم فيحفظهم من كيد أعدائه ويعلم بأي طريق يحفظ .
قوله تعالى :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
الخ ؛ تكرار حديث الأسوة لتأكيد الإيجاب ولبيان أن هذه الأسوة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر ، وأيضا أنهم كما يتأسى بهم في تبرّيهم من الكفار كذلك يتأسى بهم في دعائهم وابتهالهم .
والظاهر أن المراد برجائه تعالى رجاء ثوابه بالإيمان به وبرجاء اليوم الآخر رجاء ما وعد اللّه وأعدّ للمؤمنين من الثواب ، وهو كناية عن الإيمان .
وقوله :
وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
استغناء منه تعالى عن