تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠

بيان :

تتضمن السورة الإشارة إلى خلقه تعالى العالم بأجزائه من سماء وأرض وبرّ وبحر وإنس وجن ونظم أجزائه نظما ينتفع به الثقلان الإنس والجن في حياتهما وينقسم بذلك العالم إلى نشأتين : نشأة دنيا ستفنى بفناء أهلها ، ونشأة أخرى باقية تتميز فيها السعادة من الشقاء والنعمة من النقمة . وبذلك يظهر أن دار الوجود من دنياها وآخرتها ذات نظام واحد مؤتلف الأجزاء مرتبط الأبعاض قويم الأركان يصلح بعضه ببعض ويتم شطر منه بشطر . فما فيه من عين وأثر ، من نعمه تعالى وآلائه ، ولذا يستفهمهم مرة بعد مرة استفهاما مشوبا بعتاب بقوله :
« فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ » *
فقد كررت الآية في السورة إحدى وثلاثين مرة . ولذلك افتتحت السورة بذكره تعالى بصفة رحمته العامة الشاملة للمؤمن والكافر والدنيا والآخرة واختتمت بالثناء عليه بقوله :
« تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ »
. والسورة يحتمل كونها مكية أو مدنية وإن كان سياقها بالسياق المكي أشبه وهي السورة الوحيدة في القرآن التحت بعد البسملة باسم من أسماء اللّه عز اسمه ، وفي المجمع عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السّلام عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : لكل شيء عروس وعروس القرآن سورة الرحمن جلّ ذكره ، ورواه في الدر المنثور عن البيهقي عن علي عليه السّلام عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . قوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ
الرحمن كما تقدم في تفسير سورة الفاتحة صيغة مبالغة تدل على كثرة الرحمة ببذل النعم ولذلك ناسب أن يعم ما يناله المؤمن والكافر من نعم الدنيا وما يناله المؤمن من نعم الآخرة ، ولعمومه ناسب أن يصدّر به الكلام لاشتمال الكلام في السورة على أنواع النعم الدنيوية والأخروية التي ينتظم بها عالم الثقلين الإنس والجن .