بعد :
« إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى »
وقد فسّر في الروايات أيضا بأنها شجرة فوق السماء السابعة إليها تنتهي أعمال بني آدم وستمر ببعض هذه الروايات .
وقوله :
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى
أي الجنة التي يأوي اليه المؤمنون وهي جنة الآخرة فإن جنة البرزخ جنة معجلة محدودة بالبعث ، قال تعالى :
فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
( السجدة / 19 ) ، وقوله :
فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى
- إلى أن قال -
فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
( النازعات / 41 ) وهي في السماء على ما يدل عليه قوله تعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
( الذاريات / 22 ) ، وقيل : المراد بها جنة البرزخ .
وقوله :
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى
غشيان الشيء الإحاطة به ، و
« ما »
موصولة ، والمعنى : إذ يحيط بالسدرة ما يحيط بها ، وقد أبهم تعالى هذا الذي يغشى السدرة ولم يبين ما هو كما تقدمت الإشارة اليه .
قوله تعالى :
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
الزيغ الميل عن الاستقامة ، والطغيان تجاوز الحد في العمل ، وزيغ البصر إدراكه المبصر على غير ما هو عليه ، وطغيانه إدراكه ما لا حقيقة له ، والمراد بالبصر بصر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
والمعنى : أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يبصر ما أبصره على غير صفته الحقيقية ولا أبصر ما لا حقيقة له بل أبصر غير خاطئ في إبصاره .
والمراد بالإبصار رؤيته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بقلبه لا بجارحة العين فإن المراد بهذا الإبصار ما يعنيه بقوله :
« وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى »
المشير إلى مماثلة هذه الرؤية لرؤية النزلة الأولى التي يشير إليها بقوله :
« ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى »
فافهم ولا تغفل .
قوله تعالى :
لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى
« مِنْ »
للتبعيض ، والمعنى : أقسم لقد شاهد بعض الآيات الكبرى لربه ، وبذلك تمّ مشاهدة ربه بقلبه فإن مشاهدته تعالى بالقلب إنما هي بمشاهدة آياته بما هي آياته فإن الآية بما هي آية لا تحكي إلّا ذا الآية ولا تحكي