قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) ( 1 ) ، فلم يجز لهم الاختيار بأهوائهم ، ولم يقبل منهم إلاّ اتّباع أمره ، واجتناب نهيه على يدي من اصطفاه ، فمن أطاعه رشد ، ومن عصاه ضلّ وغوى ، ولزمته الحجّة بما ملّكه من الاستطاعة لاتّباع أمره واجتناب نهيه ، فمن أجل ذلك حرّمه ثوابه وأنزل به عقابه .
وهذا القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض ، وبذلك أخبر أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه عباية بن ربعي الأسدي حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل ؟
فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : سألت عن الاستطاعة تملّكها من دون اللّه أو مع اللّه ؟ فسكت عباية .
فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : قل يا عباية ! قال : وما أقول ؟
قال ( عليه السلام ) : إن قلت : إنّك تملكها مع اللّه قتلتك ، وإن قلت : تملكها دون اللّه قتلتك . قال عباية : فما أقول يا أمير المؤمنين ! ؟
قال ( عليه السلام ) : تقول إنّك تملكها باللّه الذي يملكها من دونك ، فإن يملّكها إيّاك كان ذلك من عطائه ، وإن يسلبكها كان ذلك من بلائه ، هو المالك لما ملّكك ، والقادر على ما عليه أقدرك ، أما سمعت الناس يسألون الحول والقوّة حين يقولون : " لا حول ولا قوّة إلاّ باللّه " .
قال عباية : وما تأويلها يا أمير المؤمنين ! ؟
قال ( عليه السلام ) : لا حول عن معاصي اللّه إلاّ بعصمة اللّه ، ولا قوّة لنا على طاعة اللّه إلاّ بعون اللّه .
قال : فوثب عباية فقبّل يديه ورجليه .
وروي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حين أتاه نجدة يسأله عن معرفة اللّه ، قال : يا أمير المؤمنين ! بماذا عرفت ربّك ؟
قال ( عليه السلام ) : بالتمييز الذي خوّلني ( 2 ) والعقل الذي دلّني .
قال : أفمجبول أنت عليه ؟
قال : لو كنت مجبولاً ما كنت محموداً على إحسان ، ولا مذموماً على إساءة ، وكان المحسن أولى
هامش
1 - الأحزاب : 33 / 36 .
2 - خوّله نعمة : أعطاه نعمة . مجمع البحرين : 1 / 713 .