هذا الفنّ ممّن كذّب وعيد اللّه ، ويلزمه في تكذيبه آية من كتاب اللّه الكفر .
وهو ممّن قال اللّه : ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ( 1 ) ، بل نقول : إنّ اللّه عزّ وجلّ جازى العباد على أعمالهم ، ويعاقبهم على أفعالهم بالاستطاعة التي ملّكهم إيّاها ، فأمرهم ونهاهم بذلك ونطق كتابه : ( مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ) . ( 2 )
وقال جلّ ذكره : ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ) ( 3 ) ، وقال : ( الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ ) . ( 4 )
فهذه آيات محكمات تنفي الجبر ومن دان به ، ومثلها في القرآن كثير ، اختصرنا ذلك لئلاّ يطول الكتاب وباللّه التوفيق .
وأمّا التفويض الذي أبطله الصادق ( عليه السلام ) ، وأخطأ من دان به وتقلّده ، فهو قول القائل : إنّ اللّه جلّ ذكره فوّض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم .
وفي هذا كلام دقيق لمن يذهب إلى تحريره ودقّته ، وإلى هذا ذهبت الأئمّة المهتدية من عترة الرسول ( عليهم السلام ) فإنّهم قالوا : لو فوّض إليهم على جهة الإهمال لكان لازماً له رضاً ما اختاروه واستوجبوا منه الثواب ، ولم يكن عليهم فيما جنوه العقاب إذا كان الإهمال واقعاً .
وتنصرف هذه المقالة على معنيين : إمّا أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة ، كره ذلك أم أحبّ ، فقد لزمه الوهن ، أو يكون جلّ وعزّ عجز عن تعبّدهم بالأمر والنهي على إرادته ، كرهوا أو أحبّوا ، ففوّض أمره ونهيه إليهم وأجراهما على محبّتهم ، إذ عجز عن تعبّدهم بإرادته ، فجعل الاختيار إليهم في الكفر والإيمان .
ومثل ذلك مثل رجل ملك عبداً ابتاعه ليخدمه ، ويعرف له فضل ولايته ، ويقف عند أمره ونهيه ،
هامش
1 - البقرة : 2 / 85 .
2 - الأنعام : 6 / 160 .
3 - آل عمران : 3 / 30 .
4 - الغافر : 40 / 17 .