في كتاب « مناقب الأنصار » عن أنس بن مالك قال : قال ناس من الأنصار حين أفاء اللّه على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ما أفاء من أموال هوازن ، فطفق النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يعطي رجالاً المائة من الإبل ، فقالوا : يغفر اللّه لرسول اللّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم . قال أنس : فحدّث رسول اللّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بمقالتهم ، فأرسل إلى الأنصار ، فجمعهم في قبّة من أدم ولم يدع معهم غيرهم ، فلمّا اجتمعوا قام النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فقال : « ما حديث بلغني عنكم ؟ » .
فقال فقهاء الأنصار : أمّا رؤساؤنا يا رسول اللّه فلم يقولوا شيئاً ، وأمّا ناس منّا حديثة أسنانهم ، فقالوا : يغفر اللّه لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم . ( 1 )
وممّا يدلّ على أنّ الفقيه في الصدر الأوّل بمعنى صاحب البصيرة في الدين ، أنّ الحسين بن علي ( عليهما السلام ) وصف حبيب بن مظاهر الأسدي بالفقيه ، وكتب إليه من كربلاء وهو بالكوفة بالنحو التالي :
« من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى الرجل الفقيه حبيب بن مظاهر . أمّا بعد يا حبيب فإنّك تعلم قرابتنا من رسول اللّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وأنت أعرف بنا من غيرك ، وأنت ذو شيمة وغيرة ، فلا تبخل علينا بنفسك يجازيك جدي رسول اللّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يوم القيامة » . ( 2 )
وربّما يجعل اسم القرّاء مقابلاً لاسم الفقهاء ، روى مالك في موطئه ، عن يحيى بن سعيد ، أنّ عبد اللّه بن مسعود قال لانسان : « إنّك في زمان كثير فقهاؤه ، قليل قرّاؤه ، تحفظ فيه حدود القرآن ، وتضيّع حروفه ، قليل من يسأل ، كثير من
هامش
1 . صحيح البخاري : 5 / 200 ح 8 ، باب غزوة الطائف .
2 . مصطفى الحائري : بلاغة الحسين : 70 .