تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة طبقات الفقهاء ( المقدمة ) — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
إنّ الأُستاذ وإن أصاب في تقديم الدليل الثاني على الأوّل ولكنّه لم يذكر وجهه ، فانّ المقام داخل تحت العنوانات الثانوية فتقدم على أحكام العنوانات الأوّلية فقوله سبحانه : ( وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج ) ( 1 ) يدلّ على أنّ كلّ حكم حرجي مرفوع في الإسلام وغير مشرّع فلو افترضنا انّ بدن المرأة عورة كله يجب عليها ستره ، لكن هذا الحكم يختص بغير حالة الضرورة ، وذلك لتقدم أحكام العنوانات الثانوية كالضرورة والاضطرار على العنوانات الأوّلية ، فقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « رفع عن أُمّتي ما اضطروا إليه » دليل على إباحة الرؤية ، فأي صلة لهذه المسألة بالاستحسان ، وما هذا إلاّ لأنّ القوم لم يقيّموا مصادر التشريع حسب مراتبها فأسموا مثل ذلك بالاستحسان . وفي الختام نذكر بعض ما استدل به على حجّية الاستحسان . الأوّل : قوله سبحانه : ( الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه أُولئِكَ الَّذِينَ هداهُمُ اللّهَ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْباب ) . ( 2 ) الثاني : قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللّه حسن . ( 3 ) يلاحظ على الأوّل : أنّه لا نزاع في الكبرى وانّ عباد اللّه هم الذين يستمعون القول فيتّبعون ما هو الأحسن ، ولكن الكلام في أنّ الإفتاء بشيء ممّا لم يقم عليه دليل سوى استحسان المجتهد ، هل هو اتّباع للأحسن أو اتباع للهوى ؟ وبعبارة أُخرى القرآن يدعو إلى اقتفاء القول الأحسن وهو الذي أدعمه العقل الصريح والشرع المبين ، وأين هذا من الإفتاء بشيء بمجرّد استحسان ذهن
هامش
1 . الحج : 78 . 2 . الزمر : 18 . 3 . أبو الوليد الباجي : احكام الفصول في احكام الأُصول : 688 - 689 ; ابن حزم : الإحكام : 6 / 192 - 196 .
موسوعة طبقات الفقهاء ( المقدمة ) — صفحة 261 | الشيخ جعفر السبحاني