وغلقت أبوابه .
وما ذكر من الكبرى حقّ لا غبار عليه ، إنّما الكلام في الصغرى وأنّ ما زعمناه نظيراً ، هل هو نظير له في الواقع أو بينهما فارق أو فوارق ؟ فهذه هي النقطة الحسّاسة في المسألة ، فالقائل بالقياس يتعامل مع ظنّه معاملة القطع ، فلو دلَّ دليل قطعي على حجيّة ظنّه فهو ، وإلاّ فلا يكون مغنياً عن الحق .
العاشر : إمكان العمل بالقياس ووقوعه
يقع الكلام في حجّية القياس في مقامين : فتارة في مقام الثبوت ، وأُخرى في مقام الإثبات ، والمراد من الأوّل كون التعبّد بالقياس أمراً ممكناً في مقابل كونه أمراً محالاً ، كما أنّ المراد من الثاني وجود الدليل على وقوع التعبّد بالشرع بعد ثبوت إمكانه .
أمّا الأوّل ، فالتعبّد بالقياس كالتعبّد بسائر الظنون من الخبر الواحد والشهرة وقول اللغوي وغير ذلك من الأدلّة الظنّية ، أمر ممكن ، لجواز أن يقتصر الشارع في امتثال أوامره ونواهيه على الأدلّة الظنّية ولا يطلب من المكلّف الامتثال بالأدلّة القطعية لتسهيل الأمر على المكلّفين ، وقد بسط علماؤنا ، الكلام في هذا الموضوع في علم الأُصول عند تطرّقهم لمبحث إمكان التعبّد بالظنّ وعدم الاقتصار على القطع .
ويعجبني أن أنقل كلمة لبعض علمائنا السابقين لمناسبتها المقام :
يقول ابن زهرة الحلبي ( 511 - 585 ) : ويجوز من جهة العقل التعبّد بالقياس في الشرعيات ، لأنّه يمكن أن يكون طريقاً إلى معرفة الأحكام الشرعية ودليلاً عليها ، ألا ترى أنّه لا فرق في العلم بتحريم النبيذ المسكر مثلاً بين أن ينصّ الشارع على تحريم جميع المسكر ، وبين أن ينصّ على تحريم الخمر بعينها ، وينصّ على أنّ العلّة
موسوعة طبقات الفقهاء ( المقدمة ) — صفحة 216
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢١٦