قال الخطيب البغدادي : وكان داود ممّن شغل نفسه بالعلم ، ودرس الفقه ، وغيره من العلوم ، ثمّ اختار بعد ذلك العزلة ، وآثر الانفراد والخلوة ، ولزم العبادة واجتهد فيها إلى آخر عمره ، وقدم بغداد في أيام المهدي ، ثم عاد إلى الكوفة وبها كانت وفاته .
وذكر أنّه كان يختلف إلى أبي حنيفة ، ثم أقبل على العبادة وتخلَّى ، وأخباره في الزهد والرياضة كثيرة .
روي أنّ محمد بن قحطبة قدم الكوفة ، فقال : أحتاج إلى مؤدب يؤدّب أولادي ، حافظ لكتاب اللَّه تعالى ، عالم بسنّة رسول اللَّه - صلى الله عليه وآله وسلم - ، وبالآثار والفقه والنحو والشعر وأيام الناس ، فقيل له : ما يجمع هذه إلَّا داود الطائي ، فسيّر إليه بُدرة عشرة آلاف درهم ، وقال : استعن بها على دهرك ، فردّها ، فوجّه إليه بُدرتين مع غلامين مملوكين ، وقال لهما : إن قَبل البدرتين فأنتما حُرّان ، فمضيا بهما إليه ، فأبى أن يقبلهما ، فقالا : إنّ في قبولهما عتق رقابنا من الرِّق ، فقال لهما : إنّي أخاف أن يكون في قبولهما وهق رقبتي في النار ، رُدّاهما إليه وقولا له : إن ردّهما على من أخذهما منه أولى من أن يعطيني أنا .
قال أبو الربيع الأعرج : قلت لَابي داود الطائي : أوصني ؟ قال : صُمْ عن الذنب ، واجعل إفطارك فيها الموت ، وفرّ من الناس فرارك من السَّبع ، وصاحب أهل التقوى إن صحبت ، فإنّهم أخف مئونة ، وأحسن معونة ، ولا تدع الجماعة .
روى أبو نعيم الأصفهاني بسنده عن داود الطائي عن حميد عن أنس قال : سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وآله وسلم - يلبي بحجة وعمرة معاً .
توفي داود سنة ستين ، وقيل : - خمس وستين ومائة .
موسوعة طبقات الفقهاء — صفحة 193
مساهمون: جعفر السبحاني
ص١٩٣