الأهمّ ، وحينئذ لا عقاب له أصلاً ، وقادر على إتيان المهم فحينئذ عليه عقاب
واحد على ترك الأهمّ ، وقادر على ترك المهمّ أيضاً ، فله عقابان وليس العقابان
على أمر غير مقدور .
وبالجملة : ما هو المصحِّح لتعلّق الأمرين هو المصحِّح لصحّة العقوبتين .
ثمّ إنّه قد يشتبه الأمر بسبب اختلاط العصيان الرتبي بالخارجي ، فيقال :
إنّ شرط الأمر بالمهمّ لمّا كان هو عصيان الأمر بالأهمّ ، وهو لا يتحقّق إلاّ بمضيّ
زمان الأهمّ ، فيكون الأمر بالمهمّ بعد مضيّ زمان إتيانه ؛ لأنّ المفروض اتّحاد
زمان الأهمّ والمهمّ ، وهو كما ترى ( 1 ) .
والجواب : أنّ الشرط هو العصيان الرتبي ، وهو يحصل قبل انقضاء الزمان ،
لا العصيان الزماني المتوقّف على مضيّ زمانه ( 55 ) .
هامش
1 - اُنظر فوائد الاُصول ( تقريرات المحقّق النائيني ) الكاظمي 1 : 346 .
55 - ما سلكناه في هذا المضمار ، وهو تصوير الأمر بالأهمّ والمهمّ في عرض واحد بلا تشبّث
بالترتّب ، وهو يبتني على مقدّمات :
المقدّمة الاُولى : أنّه سيأتي في محلّه أنّ الأوامر متعلّقة بالطبائع ، وأنّ الخصوصيّات
الفرديّة مطلقاً خارجة عن المتعلَّق وإن كانت متّحدة معها خارجاً .
المقدّمة الثانية : أنّ الإطلاق بعد تمامية مقدّماته يباين العموم في أنّ الحكم فيه لم
يتعلّق إلاّ بنفس الماهية أو الموضوع من غير دخالة فرد أو حال أو قيد فيه ، وليس
الحكم متعلّقاً بالأفراد والحالات والطوارئ ، ففي قوله : " اعتق الرقبة " تكون نفس
الطبيعة - لا أفرادها أو حالاتها - موضوعاً للحكم ؛ فإنّ الطبيعة لا يمكن أن تكون حاكية
ومرآة للأفراد والخصوصيّات وإن كانت متّحدة معها خارجاً ، وهذا بخلاف العموم ، فإنّ
أداته وضعت لاستغراق أفراد المدخول ، فيتعلّق الحكم فيه بالأفراد المحكيّة بعنوان الكلّ
والجميع .
المقدّمة الثالثة : أنّ التزاحمات الواقعة بين الأدلّة بالعرض لأجل عدم قدرة المكلّف
على الجمع بين امتثالها - كالتزاحم بين وجوب إزالة النجاسة من المسجد ووجوب
الصلاة ، حيث تكون متأخّرة عن تعلّق الحكم بموضوعاتها وعن ابتلاء المكلَّف بالواقعة -
لم تكن ملحوظة في الأدلّة ، ولا تكون الأدلّة متعرّضة لها ، فضلاً عن التعرّض لعلاجها ،
فقوله : " أزل النجاسة عن المسجد " - مثلاً - لا يكون ناظراً إلى حالات الموضوع - كما
عرفت في المقدّمة المتقدّمة - فضلاً عن أن يكون ناظراً إلى حالاته مع موضوع آخر
ومزاحمته معه ، فضلاً عن أن يكون ناظراً إلى علاج المزاحمة ، فاشتراط المهمّ بعصيان
الأهمّ - الذي هو من مقدّمات الترتّب - لا يمكن أن يكون مفاد الأدلّة إن كان المراد شرطاً
شرعياً مأخوذاً في الأدلّة ، ولا يكون بنحو الكشف عن الاشتراط ؛ لما سيأتي من عدم
لزومه بل عدم صحّته ، وسيأتي حال حكم العقل .
المقدّمة الرابعة : أنّ الأحكام الشرعيّة القانونيّة المترتّبة على موضوعاتها على قسمين :
أحدهما : الأحكام الإنشائية ، وهي التي اُنشئت على الموضوعات ولم تبق على ما هي
عليه في مقام الإجراء ، كالأحكام الكلّية قبل ورود المقيّدات والمخصّصات ومع قطع
النظر عنهما ، أو لم يئِن وقت إجرائها ، كالأحكام التي بقيت مخزونة لدى وليّ العصر
- عجّل الله فرجه - ويكون وقت إجرائها زمان ظهوره ؛ لمصالح تقتضيها العناية الإلهية .
ثانيهما : الأحكام الفعلية ، وهي التي آنَ وقت إجرائها ، وبلغت موقع عملها بعد تماميّة
قيودها ومخصّصاتها ، ف ( أوفوا بالعُقود ) بهذا العموم حكم إنشائي ، والذي بقي بعد ورود
المخصّصات عليه بلسان الكتاب والسنّة هو الحكم الفعلي ، ونجاسة بعض الطوائف
المنتحلة للإسلام وكفرهم حكمان إنشائيان في زماننا ، وإذا بلغا وقت إجرائهما يصيران
فعليّين .
وأمّا الفعلية والشأنية بما هو معروف - من أنّ الحكم بالنسبة إلى الجاهل والغافل
والساهي والعاجز يكون شأنياً ، وبالنسبة إلى مقابليهم يصير فعلياً - فليس لهما وجه
معقول ؛ لأنّ الاشتراط الشرعي في بعضها غير معقول ، مع عدم الدليل عليه في جميعها ،
والتصرّف العقلي غير معقول ، كما سيتّضح لك .
وبالجملة : إنّ الأحكام المضبوطة في الكتاب والسنّة لا يعقل فيها غير هاتين المرتبتين ،
فقوله : ( لِلّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيتِ . . . ) إلخ لا يختلف بالنسبة إلى الجاهل والعالم ،
ولا معنى للفعلية والشأنية في هذا الحكم المجعول المنضبط ، وكذا لا يعقل تغيير إرادة
الله - تعالى - الصادع بالشرع ؛ لامتناع تغيّرها ، كما هو معلوم لدى أهله .
وأمّا الاقتضاء والتنجّز فليسا من مراتب الحكم : أمّا الأوّل فواضح ، وأمّا الثاني فلأنّه حكم
عقلي غير مربوط بمراتب الأحكام المجعولة ، ومعنى تنجّزه قطع عذر المكلّف في
المخالفة ، وعدمه كونه معذوراً فيها ، من غير تغيير وتبديل في الحكم ولا في الإرادة .
المقدّمة الخامسة : أنّ الأحكام الكلّية القانونية تفترق عن الأحكام الجزئية من
جهات ، صار الخلط بينهما منشأً لاشتباهات :
منها : حكمهم بعدم منجّزية العلم الإجمالي إذا كان بعض الأطراف خارجاً عن محلّ
الابتلاء ؛ بتوهّم أنّ الخطاب بالنسبة إليه مستهجن .
وقد ذكرنا في محلّه أنّ الاستهجان ليس في الخطابات الكلّية المتوجّهة إلى عامّة
المكلّفين ، فراجع .
ومنها : توهّم أنّ الخطاب لا يعقل أن يتوجّه إلى العاجز والغافل والساهي ؛ ضرورة أنّ
الخطاب للانبعاث ، ولا يعقل انبعاث العاجز ومثله .
وهذا - أيضاً - من موارد الخلط بين الحكم الكلّيّ والجزئيّ ؛ فإنّ الخطاب الشخصي إلى
العاجز ومثله لغو ممتنع صدوره من الملتفت ، وهذا بخلاف الخطابات الكلّية المتوجّهة
إلى العناوين الكلّية ، كالناس والمؤمنين ، فإنّ مثل تلك الخطابات تصحّ من غير استهجان
إذا كان فيهم من ينبعث عنها ، ولا يلزم أن تكون باعثة أو ممكنة البعث بالنسبة إلى جميعها
في رفع الاستهجان .
ألا ترى أنّ الخطاب الشخصي إلى من كان عاصياً ، أو الكلّي إلى عنوان العصاة ، مستهجن
غير ممكن الصدور من العاقل الملتفت ، ولكنّ الخطاب العمومي غير مستهجن بل واقع ؛
لأنّ الضرورة قائمة على أنّ الخطابات والأوامر الإلهيّة شاملة للعصاة ؛ وأنّ بناء
المحقّقين على أنّها شاملة للكفّار أيضاً ، مع أنّ الخطاب الخصوصيّ إلى الكفّار المعلومي
الطغيان من أقبح المستهجنات ، بل غير ممكن لغرض الانبعاث ، فلو كان حكم الخطاب
العامّ كالجزئي فلابدّ من الالتزام بتقييد الخطابات بغيرهم ، وهو كما ترى .
وكذا الحال في الجاهل والغافل والنائم وغيرهم ممّا لا يعقل تخصيصهم بالحكم ، ولا يمكن
توجّه الخطاب الخصوصي إليهم ، وإذا صحّ في مورد فليصحّ فيما هو مشترك معه في
المناط ، فيصحّ الخطاب العمومي لعامّة الناس من غير تقييد بالقادر ، فيعمّ جميعهم ، وإن
كان العاجز والجاهل والناسي والغافل وأمثالهم معذورين في مخالفته ، فمخالفة الحكم
الفعلي قد تكون لعذر كما ذكر ، وقد لا تكون كذلك .
والسرّ فيما ذكرنا : هو أنّ الخطابات العامّة لا ينحلّ كلّ منها إلى خطابات بعدد نفوس
المكلّفين ؛ بحيث يكون لكلّ منهم خطاب متوجّه إليه بالخصوص ، بل يكون الخطاب
العمومي خطاباً واحداً يخاطب به العموم ، وبه يفترق عن الخطاب الخصوصي في كثير
من الموارد .
هذا ، مضافاً إلى أنّ الإرادة التشريعية ليست إرادة إتيان المكلّف وانبعاثه نحو العمل ، وإلاّ
يلزم في الإرادة الإلهية عدم انفكاكها عنه وعدم إمكان العصيان ، بل هي عبارة عن إرادة
التقنين والجعل على نحو العموم ، وفي مثله يراعى الصحّة بملاحظة الجعل العمومي
القانوني ، ومعلوم أنّه لا تتوقّف صحّته على صحّة الانبعاث بالنسبة إلى كلّ الأفراد ، كما
يظهر بالتأمّل في القوانين العرفية .
المقدّمة السادسة : أنّ الأحكام الشرعية غير مقيّدة بالقدرة لا شرعاً ولا عقلاً :
أمّا شرعاً فظاهر ؛ فإنّه ليس في الأدلّة ما يوجب التقييد بالقدرة العقلية ، ولو فرض التقييد
الشرعي للزم الالتزام بجواز إيجاد المكلّف العذر لنفسه ، ولا أظنّ التزامهم به ، وللزم
جريان البراءة عند الشكّ في القدرة ، ولا يلتزمون به ، وليس ذلك إلاّ لعدم تقييد شرعي .
ومن ذلك يعلم عدم كشف التقييد الشرعي عقلاً .
وأمّا التقييد العقلي - بمعنى تصرّفه في الأدلّة - فهو لا يرجع إلى محصّل ؛ بل تصرّف العقل
في إرادة المولى أو جعله ممّا لا معنى معقول له ، والتقييد والتصرّف لا يمكن إلاّ للجاعل لا
لغيره .
نعم للعقل الحكم في مقام الإطاعة والعصيان ، وأنّ مخالفة الحكم في أيّ مورد توجب
استحقاق العقوبة ، وفي أيّ مورد لا توجب لمعذوريّة العبد ، وليس للعقل إلاّ الحكم بأنّ
الجاهل والعاجز ونظيرهما معذورون في ترك الواجب أو إتيان الحرام ، من غير تصرّف في
الدليل .
المقدّمة السابعة : أنّ الأمر بكلّ من الضدّين أمر بالمقدور الممكن ، والذي يكون غير
مقدور هو جمع المكلّف بين الإتيان بمتعلّقهما ، وهو غير متعلّق للتكليف ، فإذا أمر المولى
بإزالة النجاسة عن المسجد وأمر بالصلاة لا يكون له إلاّ أمر بهذه وأمر بتلك ، ومجموع
الأمرين ليس موجوداً على حدة ، والأمر بالجمع أو المجموع غير صادر من المولى ، وقد
تقدّم أنّ الأمر لا يتعلّق إلاّ بنفس الطبائع ، من غير نظر إلى الخصوصيات والحالات الطارئة
وجهات التزاحم وعلاجه .
إذا عرفت ما ذكر فاعلم : أنّ متعلّقي التكليفين قد يكونان متساويين في الجهة
والمصلحة ، وقد يكون أحدهما أهمّ .
فعلى الأوّل لا إشكال في حكم العقل بالتخيير ؛ بمعنى أنّ العقل يرى أنّ المكلّف مخيّر في
إتيان أيّهما شاء ، فإذا اشتغل بأحدهما ، يكون في مخالفة الأمر الآخر معذوراً عقلاً ، من غير
أن يكون تقييد واشتراط في التكليف والمكلّف به ، ومع عدم اشتغاله بذلك لا يكون معذوراً
في ترك واحد منهما ؛ فإنّه قادر على إتيان كلّ واحد منهما ، فتركه يكون بلا عذر ؛ فإنّ
العذر عدم القدرة ، والفرض أنّه قادر على كلٍّ منهما ، وإنّما يصير عاجزاً عن عذر إذا اشتغل
بإتيان أحدهما ، ومعه معذور في ترك الآخر ، وأمّا مع عدم اشتغاله به ، فلا يكون معذوراً
في ترك شيء منهما ، والجمع لا يكون مكلّفاً به حتّى يقال : إنّه غير قادر عليه ، وهذا
واضح بعد التأمّل .
وأمّا إذا كان أحدهما أهمّ : فإن اشتغل بإتيان الأهمّ ، فهو معذور في ترك المهمّ ؛ لعدم القدرة
عليه مع اشتغاله بضدّه بحكم العقل ، وإن اشتغل بالمهمّ ، فقد أتى بالمأمور به الفعلي ،
لكن لا يكون معذوراً في ترك الأهمّ ، فيثاب بإتيان المهمّ ويعاقب بترك الأهمّ .
فقد اتّضح ممّا ذكرنا أمران :
أحدهما : أنّ الأهمّ والمهمّ كالمتساويين في الأهمّية ؛ كلٌّ منهما مأمور به في عرض
الآخر ، والأمران العرضيان فعليان متعلّقان بعنوانين كلّيين ، من غير تعرّض لهما لحال
التزاحم وعجز المكلّف ، والمطاردة التي تحصل في مقام الإتيان لا توجب تقييد الأمرين أو
أحدهما أو اشتراطهما أو اشتراط أحدهما بحال عصيان الآخر ، لا شرعاً ولا عقلاً ، بل تلك
المطاردة لا توجب عقلاً إلاّ المعذورية العقلية عن ترك أحد التكليفين حال الاشتغال
بالآخر ، وعن ترك المهمّ حال اشتغاله بالأهمّ .
فظهر : أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي عدم الأمر بضدّه في التكا ليف الكلّية القانونية ، كما فيما
نحن فيه . فما ادّعى شيخنا البهائي ليس على ما ينبغي ، كما أنّ ما أجابوا عنه بنحو الترتّب
وتصوير الأمر بالمهمّ مشروطاً بعصيان الأهمّ ممّا لا أساس له ، كما سيتّضح لك .
وثانيهما : أنّ المكلّف مع ترك الأهمّ والمهمّ يستحقّ عقابين ؛ لما تقدّم تفصيله .
ولو تأمّلت فيما تقدّم تأمّلاً صادقاً ، وتدبّرت فيه تدبّراً أكيداً ، يسهل لك التصديق بما ذكرنا ،
والله وليّ الأمر . ( مناهج الوصول 2 : 23 - 30 ) .