وعلى هذه
السمة لقاؤه - لو كان هناك لقاء - لا على نحو اللقاء
الحسي الذي لا يتأتى البتة الا بمواجهة جسمانية
وتعين جهة ومكان وزمان ، وبهذا يشعر ما في قوله ( ما
كذب الفؤاد ما رأى ) من نسبة الرؤية إلى الفؤاد الذي
لا شبهة في كون المراد به هو النفس الانسانية
الشاعرة دون اللحم الصنوبري المعلق على يسار الصدر
داخلا .
ونظير ذلك
قوله تعالى : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) - المطففين 15 - .
دل على أن
الذي يحجبهم عنه تعالى رين المعاصي والذنوب التي
اكتسبوها فحال بين قلوبهم أي أنفسهم وبين ربهم
فحجبهم عن تشريف المشاهدة .
ولو رأوه
لرأوه بقلوبهم أي أنفسهم لا بأبصارهم واحداقهم .
وقد أثبت
الله سبحانه في موارد من كلامه قسما آخر من
الرؤية وراء رؤية الجارحة كقوله تعالى : ( كلا لو
تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين
اليقين ) - التكاثر 7 - .
وقوله
( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من
الموقنين ) - الانعام 75 - ، وقد تقدم تفسير الآية في
الجزء السابع من الكتاب ( الميزان ) ، وبينا هناك ان
الملكوت هو باطن الأشياء لا ظاهرها المحسوس .
فبهذه
الوجوه يظهر أنه تعالى يثبت في كلامه قسما من
الرؤية والمشاهدة وراء الرؤية البصرية الحسية .
وهي نوع
شعور في الانسان ، يشعر بالشئ نفسه من غير استعمال
آلة حسية أو فكرية ، وأن للانسان شعورا بربه غير ما
يعتقد بوجوده من طريق الفكر واستخدام الدليل بل
يجده وجدانا من غير أن يحجبه عنه حاجب ، ولا يجره
إلى الغفلة عنه الا اشتغاله بنفسه وبمعاصيه التي
اكتسبها ، وهي مع ذلك غفلة عن أمر موجود . ومشهود لا
زوال علم بالكلية ومن أصله . فليس في كلامه تعالى ما
يشعر بذلك البتة ، بل عبر عن هذا الجهل بالغفلة وهي
زوال العلم بالعلم لا زوال أصل العلم .
خلاصة علم الكلام — صفحة 256
مساهمون: الشيخ عبد الهادي الفضلي
ص٢٥٦