ويشاهده
سبحانه منزها عن وصحة الحركة والزمان ، والجهة
والمكان ، وألواث المادة الجسمية وأعراضها ، فإنه
قول أشبه بغير الجد منه بالجد ، فما محصل القول : ان
من الجائز في قدرة الله أن يقوي سببا ماديا أن
يعلق عمله الطبيعي المادي - مع حفظ حقيقة السبب
وهوية أثره - بأمر هو خارج عن المادة وآثارها متعال
عن القدر والنهاية ؟ فهذا الابصار الذي عندنا - وهو
خاصة مادية - من المستحيل أن يتعلق بما لا أثر عنده
من المادة الجسمية وخواصها ، فإن كان موسى يسأل
الرؤية فإنما سأل غير هذه الرؤية البصرية ،
وبالملازمة ما ينفيه الله سبحانه في جوابه فإنما
ينفي غير هذه الرؤية البصرية ، فأما هي فبديهية
الانتفاء لم يتعلق بها سؤال وجواب .
وقد أطلق
الله الرؤية وما يقرب منها معنى في موارد من كلامه
وأثبتها : كقوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها
ناظرة ) - القيامة 23 - .
وقوله : ( ما
كذب الفؤاد ما رأى ) - النجم 11 - .
وقوله : ( من
كان يرجو لقاء الله فان أجل الله لآت ) - العنكبوت
5 - .
وقوله :
( أو لم يكف بربك انه على كل شئ شهيد ألا إنهم في
مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شئ محيط ) - حم السجدة
54 - .
وقوله :
( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا
يشرك بعبادة ربه أحدا ) - الكهف 110 - .
إلى غير
ذلك من الآيات الكثيرة المثبتة للرؤية وما في
معناها قبال الآيات النافية لها كما في هذه الآية :
( قال لن تراني ) وقوله : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك
الابصار ) - الانعام 103 - وغير ذلك .
فهل المراد
بالرؤية حصول العلم الضروري ، سمي بها لمبالغة في
الظهور ونحوها - كما قيل ؟ .
لا ريب أن
الآيات تثبت علما ضروريا لكن الشأن في تشخيص
حقيقة هذا العلم الضروري ، فانا لا نسمي كل علم
ضروري رؤية وما في معناها من اللقاء ونحوه ، كما
نعلم بوجود إبراهيم الخليل والإسكندر وكسرى فيما
مضى ولم نرهم .
خلاصة علم الكلام — صفحة 253
مساهمون: الشيخ عبد الهادي الفضلي
ص٢٥٣