والسرّ في ذلك : هو أنّ أصالة الحقيقة من الأُصول المرادية ، وهي جارية في
مورد الشكّ في المراد ، لا في إحراز المعنى الحقيقي بعد العلم بالمراد ، كما فيما نحن
فيه ، فتدبّر .
ذكر وإرشاد
ولا يخفى : أنّ ما ذكرناه كأنّه لا سترة فيه ، إلاّ أنّ للمحقّق العراقي ( قدس سره ) مقالاً لا
ينبغي صدوره منه ؛ فإنّه - بعد أن اختار : أنّ لفظ الأمر حقيقة في مطلق الطلب ؛
لصدق الأمر على طلب العالي بلا عناية ، ولو كان بنحو الندب ، وأيّده بتقسيمه إلى
الوجوب والندب - قال : لا شبهة في ظهوره حين إطلاقه في خصوص الطلب
الوجوبي ؛ بحيث لو أُريد به الاستحباب لافتقر إلى قرينة ، وهذا في الجملة ممّا لا
إشكال فيه . وإنّما الإشكال في منشأ الظهور ، بعد كون الوضع لمطلق الطلب .
ثمّ تفحّص عن منشأ الظهور : بأنّه هل لغلبة الاستعمال في الوجوب ، أو هو
قضية الإطلاق ومقدّمات الحكمة ؟
وردّ الوجه الأوّل مستشهداً بكثرة استعماله في الاستحباب ، كما صرّح بذلك
صاحب " المعالم " ( قدس سره ) ( 1 ) ، واختار الوجه الثاني .
ثمّ حاول تقريبه بوجهين ( 2 ) .
هامش
1 - معالم الدين : 48 .
2 - قلت : وحاصل الوجه الأوّل : هو أنّ الطلب الوجوبي هو الطلب التامّ الذي لا حدّ له من جهة
النقص والضعف ، بخلاف الطلب الاستحبابي فإنّه مرتبة من الطلب المحدود بحدّ النقص والضعف .
ولا ريب في أنّ الوجود غير المحدود لا يفتقر إلى البيان والإشارة إليه أكثر ممّا يدلّ عليه ، بخلاف
الوجود المحدود فإنّه مفتقر إلى بيان حدّه ، كما هو مفتقر إلى أصله . وعلى هذا يلزم حمل الكلام
الذي يدلّ على الطلب على ما لا حدّ له - وهو الوجوب - كما هو الشأن في كلّ مطلق .
وحاصل الوجه الثاني : هو أنّه لا ريب في أنّ كلّ من يطلب أمراً من غيره فإنّما يأمره به لأجل إيجاده
في الخارج ؛ فلابدّ وأن يكون طلبه إيّاه في حدّ ذاته لا قصور فيه في مقام التوسّل إلى إيجاده .
وليس ذلك إلاّ الطلب الإلزامي الذي يستلزم امتثاله الثواب وعصيانه العقاب . ولو كان هناك ما يقتضي
قصوره عن التأثير التامّ في وجود المطلوب - ولو لقصور المصلحة الموجبة لطلبه ، أو المانع عنها
- لوجب أن يطلبه بتلك المرتبة ؛ فإن أشار إليها في مقام البيان فهو ، وإلاّ فقد أخلّ في بيان ما
يحصل به غرضه .
فعليه : يكون إطلاق الأمر دليلاً على طلبه الذي يتوسّل به الطالب إلى إيجاد مطلوبه بلا تسامح فيه ،
وليس هو إلاّ الطلب الوجوبي .
ثمّ قال ( قدس سره ) : فاتّضح ممّا ذكرنا : أنّ مادّة الأمر وإن لم تكن حقيقة في الوجوب ولكن بمقتضى
الوجهين تكون ظاهرة فيه [ 1 ] ، انتهى ملخّصاً [ المقرّر حفظه الله ] .
[ 1 ] بدائع الأفكار 1 : 196 - 197 .