وبالجملة : أصالة عدم القرينة لتشخيص المراد بعد العلم بالمعنى الحقيقي
والمجازي ، فلا يمكن أن يستند إليها لإحراز أنّ المعنى المراد مستند إلى حاقّ اللّفظ .
وإلى ما ذكرنا يشير كلاما السيد المرتضى ( قدس سره ) ، حيث قال في مورد : إنّ الأصل
في الاستعمال علامة كونه حقيقيّاً ، وقال في مورد آخر : إنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة ( 1 ) .
فإنّ كلامه الأوّل في مورد لم يعلم المعنى المراد ، واحتمل إرادة المتكلّم معناه
المجازي ، والثاني في مورد علم المراد ، وشكّ في كونه معناه الحقيقي أو المجازي ، فلا تنافي
بين كلاميه ، كما توهّم .
ثمّ إنّه في اعتبار أصالة عدم القرينة ; من جهة أنّها أمارة عقلائيّة لتشخيص
المراد ، أو أصل عقلائيّ في مقام الاحتجاج ، فكلام آخر نذكره في محلّه - إن شاء الله -
لا يبعد أن يكون الثاني ، فتشخيص كون الانسباق من حاقّ اللّفظ من أصالة عدم
القرينة بناءً على كونها أصلاً عقلائيّاً ، كما ترى ، فارتقب حتّى حين .
وأمّا ما أفاده المحقّق العراقي ( قدس سره ) : من أنّه يمكن إحراز كون التبادر مستنداً إلى
حاقّ اللّفظ بالاطّراد ; بتقريب : أنّ فهم المعنى من اللّفظ في جميع الأحوال - سواء كان
في النثر ، أو في الشعر ، أو المكالمات العرفية ، أو غيرها - بدون القرينة يكشف عن أنّ
معناه الحقيقي والتبادر مستند إلى حاقّ اللّفظ ، وأمّا إن فُهم المعنى من اللّفظ في
بعض الأحوال ، أو في بعض المقامات ، نستكشف منه أنّ التبادر غير مستند إلى نفس
اللّفظ وحده ( 2 ) .
ففيه : أنّ مجرّد انسباق المعنى مُطّرداً ، لا يوجب القطع بكون التبادر والانسباق
مستنداً إلى حاقّ اللّفظ ; لاحتمال أن يكون مستنداً إلى قرينة عامّة ، فلا يكاد يعلم
هامش
1 - الذريعة إلى أُصول الشريعة 1 : 13 ، 19 ، 183 ، وقد أكد ( قدس سره ) على ذلك في أماكن متعدّدة من
هذا الكتاب وقد أعرضنا عن درج جميعها خوفاً من التطويل .
2 - بدائع الأفكار 1 : 97 .