تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 696

مساهمون:

ص٦٩٦
بمسّ السوء وعدم الاستكثار من الخير ، وقوله :
« وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ »
نفي للعلم بغيب خاص وهو ما يفعل به وبهم من الحوادث التي يواجهونها جميعا ، وذلك أنهم كانوا يزعمون أن المتلبس بالنبوة لو كان هناك نبي يجب أن يكون عالما في نفسه بالغيوب ذا قدرة مطلقة غيبية كما يظهر من اقتراحاتهم المحكية في القرآن فامر صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يعترف - مصرّحا به - أنه لا يدري ما يفعل به ولا بهم فينفي عن نفسه العلم بالغيب ، وأن ما يجري عليه وعليهم من الحوادث خارج عن إرادته واختياره وليس له في شيء منها صنع بل يفعله به وبهم غيره وهو اللّه سبحانه . فقوله :
وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
كما ينفي عنه العلم بالغيب ينفي عنه القدرة على شيء مما يصيبه ويصيبهم مما هو تحت أستار الغيب . ونفي الآية العلم بالغيب عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا ينافي علمه بالغيب من طريق الوحي كما يصرّح تعالى به في مواضع من كلامه كقوله :
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ *
( آل عمران / 44 ) ، ( يوسف / 102 ) ، وقوله :
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ
( هود / 49 ) ، وقوله :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
( الجن / 27 ) ، ومن هذا الباب قول المسيح عليه السّلام :
وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ
( آل عمران / 49 ) ، وقول يوسف عليه السّلام لصاحبي السجن :
لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما
( يوسف / 37 ) . وجه عدم المنافاة أن الآيات النافية للعلم بالغيب عنه وعن سائر الأنبياء عليهم السلام إنما تنفيه عن طبيعتهم البشرية بمعنى أن تكون لهم طبيعة بشرية أو طبيعة هي أعلى من طبيعة البشر من خصاصتها العلم بالغيب بحيث يستعمله في جلب كل نفع ودفع كل شركما نستعمل ما يحصل لنا من طريق الأسباب وهذا لا ينافي انكشاف الغيب لهم بتعليم إلهي من طريق الوحي كما أن إتيانهم بالمعجزات فيما أتوا بها ليس عن قدرة نفسية فيهم يملكونها لأنفسهم بل
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 696 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي