جماد لا تأكل ولا تنطق لكن الوجد وشدة الغيظ حمله على أنه يمثل موقفها موقف العقلاء ثم يؤاخذها مؤاخذة العقلاء كما يفعل بالمجرمين .
فنظر إليها وهي ذوات أبدان كهيئة من يتغذى ويأكل وعندها شيء من الطعام فامتلأ غيظا وجاش وجدا فقال : ألا تأكلون ؟ فلم يسمع منها جوابا فقال :
« ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ »
؟
وأنتم آلهة يزعم عبادكم أنكم عقلاء قادرون مدبرون لأمورهم فلما لم يسمع لها حسا راغ عليها ضربا باليمين .
قوله تعالى :
فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ
أي تفرع على ذاك الخطاب أن مال على آلهتهم يضربهم ضربا باليد اليمنى أو بقوة بناء على كون المراد باليمين القوة .
قوله تعالى :
فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ
الزف والزفيف الإسراع في المشي أي فجاءوا إلى إبراهيم والحال أنهم يسرعون اهتماما بالحادثة التي يظنون أنه الذي أحدثها .
قوله تعالى :
قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
فيه إيجاز وحذف من حديث القبض عليه والإتيان به على أعين الناس ومسألته وغيرها .
والاستفهام للتوبيخ وفيه مع ذلك احتجاج على بطلان طريقتهم فهو يقول : لا يصلح ما نحته الإنسان بيده أن يكون ربا للإنسان معبودا له واللّه سبحانه خلق الإنسان وما يعمله والخلق لا ينفك عن التدبير فهو رب الإنسان ومن السفه أن يترك هذا ويعبد ذاك .
ولا ضير في نسبة الخلق إلى ما عمله الإنسان أو إلى عمله لأن ما يريده الإنسان ويعمله من طريق اختياره مراد اللّه سبحانه من طريق إرادة الإنسان واختياره ولا يوجب هذا النوع من تعلق الإرادة بالفعل بطلان تأثير إرادة الإنسان وخروج الفعل عن الاختيار وصيرورته مجبرا عليه ، وهو ظاهر .
ولو كان المراد نسبة خلق أعمالهم إلى اللّه سبحانه بلا واسطة لا من طريق إرادتهم بل بتعلق إرادته بنفس عملهم وأفاد الجبر لكان القول أقرب إلى أن يكون عذرا لهم من أن يكون