تفسير وتقرير لما تتضمنه الآيات الثلاث المتقدمة وتلخيص للمراد وتمهيد لما يتلوه من قوله :
« إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ »
الآية .
قوله تعالى :
إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ
القصر للإفراد ، والمراد بالإنذار الإنذار النافع الذي له أثر ، وبالذكر القرآن الكريم ، وباتباعه تصديقه والميل اليه إذا تليت آياته ، والتعبير بالماضي للإشارة إلى تحقق الوقوع ، والمراد بخشية الرحمن بالغيب خشيته تعالى من وراء الحجاب وقبل انكشاف الحقيقة بالموت أو البعث ، وقيل : أي حال غيبته من الناس بخلاف المنافق وهو بعيد .
وقد علقت الخشية على اسم الرحمن الدال على صفة الرحمة الجالبة للرجاء للإشعار بأن خشيتهم خوف مشوب برجاء وهو الذي يقر العبد في مقام العبودية فلا يأمن ولا يقنط .
وتنكير « مغفر » و
« أَجْرٍ كَرِيمٍ »
للتفخيم أي فبشره بمغفرة عظيمة من اللّه وأجر كريم لا يقادر قدره وهو الجنة ، والدليل على جميع ما تقدم هو السياق .
والمعنى : إنما تنذر الإنذار النافع الذي له أثر ، من اتبع القرآن إذا تليت عليه آياته وما اليه وخشي الرحمن خشية مشوبة بالرجاء فبشره بمغفرة عظيمة وأجر كريم لا يقادر قدره .
قوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ
المراد بإحياء الموتى إحياؤهم للجزاء .
والمراد بما قدموا الأعمال التي عملوها قبل الوفاة فقدموها على موتهم ، والمراد بآثارهم ما تركوها لما بعد موتهم من خير يعمل به كتعليم علم ينتفع به أو بناء مسجد يصلى فيه أو ميضاة يتوضأ فيها ، أو شر يعمل به كوضع سنة مبتدعة يستن بها أو بناء مفسقة يعصى اللّه فيها .
والمراد بكتابة ما قدموا وآثارهم ثبتها في صحائف أعمالهم وضبطها فيها بواسطة كتبة