تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
احتجاج آخر على المشركين من جهة الرزق الذي هو الملاك العمدة في اتخاذهم الآلهة فإنهم يتعللون في عبادتهم الآلهة بأنها ترضيهم فيوسعون لهم في رزقهم فيسعدون بذلك . فأمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يسألهم من يرزقهم من السماوات والأرض ؟ والجواب عنه أنه اللّه سبحانه لأن الرزق خلق في نفسه ولا خالق - حتى عند المشركين - إلّا اللّه عز اسمه لكنهم يستنكفون عن الاعتراف به بألسنتهم وإن أذعنت به قلوبهم ولذلك أمر أن ينوبهم في الجواب فقال :
« قُلِ اللَّهُ »
. وقوله :
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
، تتمة قول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهذا القول بعد إلقاء الحجة القاطعة ووضوح الحق في مسألة الألوهية مبني على سلوك طريق الإنصاف ، ومفاده أن كل قول إما هدى أو ضلال لا ثالث لهما نفيا وإثباتا ونحن وأنتم على قولين مختلفين لا يجتمعان فإما أن نكون نحن على هدى وأنتم في ضلال وإما أن تكونوا أنتم على هدى ونحن في ضلال فانظروا بعين الإنصاف إلى ما ألقي إليكم من الحجة وميزوا المهدي من الضال والمحق من المبطل . واختلاف التعبير في قوليه
« لَعَلى هُدىً »
و
« فِي ضَلالٍ »
بلفظة على وفي - كما قيل - للإشارة إلى أن المهتدي كأنه مستعل على منار يتطلع على السبيل وغايتها التي فيها سعادته ، والضالّ منغمر في ظلمة لا يدري أين يضع قدمه وإلى أين يسير وما ذا يراد به ؟ قوله تعالى :
قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ
أي إن العمل وخاصة عمل الشر لا يتعدى عن عامله ولا يلحق وباله إلّا به فلا يسأل عنه غيره فلا تسألون عما أجرمنا بل نحن المسؤولون عنه ولا نسأل عما تعملون بل أنتم المسؤولون . وهذا تمهيد لما في الآية التالية من حديث الجمع والفتح فإن الطائفتين إذا اختلفا في الأعمال خيرا وشرا كان من الواجب أن يفتح بينهما ويتميز كل من الأخرى حتى يلحق به جزاء عمله من خير أو شر أو سعادة أو شقاء والذي يفتح ويميز هو الرب تعالى .
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 175 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي