تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
( النحل / 50 ) ، فالفزع هو التأثر والانقباض من الخوف هو المراد بسجدتهم تذللا من خوف ربهم من فوقهم . وبذلك يظهر أن المراد بفزعهم حتى يفزّع عنهم أن التذلل غشي قلوبهم وهو تذللهم من حيث أنهم أسباب وشفعاء في نفوذ الأوامر الإلهية ووقوعه على ما صدر وكما أريد ، وكشف هذا التذلل هو تلقّيهم الأمر الإلهي واشتغالهم بالعمل كأنهم بحيث لا يظهر من وجودهم إلّا فعلهم وطاعتهم للّه فيما أمرهم به وأنه لا واسطة بين اللّه سبحانه وبين الفعل إلّا أمره فافهم ذلك . وإنما نسب الفزع والتفزيع إلى قلوبهم للدلالة على أنهم ذاهلون منصرفون عن أنفسهم وعن كل شيء إلّا ربهم وهم على هذه الحالة لا يشعرون بشيء غيره حتى إذا كشف الفزع عن قلوبهم عند صدور الأمر الإلهي بلا مهل ولا تخلّف فليس الأمر بحيث يعطّل أو يتأخر عن الوقوع ، قال تعالى :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( يس / 82 ) ، فالمستفاد من الآية نظرا إلى هذا المعنى أنهم في فزع حتى إذا أزيل فزعهم بصدور الأمر الإلهي . وقوله :
قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ
يدل على أنهم طوائف كثيرون يسأل بعضهم بعضا عن الأمر الإلهي بعد صدوره وانكشاف الفزع عن قلوب السائلين . ويتبين منه أن كشف الفزع ونزول الأمر إلى بعضهم أسبق منه إلى بعض آخر فإن لازم السؤال أن يكون المسؤول عالما بما سئل عنه قبل السائل . فلم مراتب مختلفة ومقامات متفاوتة بعضها فوق بعض تتلقى الدانية منها الامر الإلهي من العالية من غير تخلّف ولا مهلة وهو طاعة الداني منهم للعالي ، كما يستفاد ذلك أيضا بالتدبر في قوله :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
( الصافات / 164 ) ، وقوله في وصف الروح الأمين :
ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
( التكوير / 21 ) . قوله تعالى :
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ
الخ ؛