وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يأمر وجوه أصحابه كأمير المؤمنين ، وأبي أيّوب الأنصاري وعمّار بن ياسر ، بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين « 1 » . وكان من المتّفق عليه عند السلف أنّ القاسطين هم أصحاب معاوية .
فبأيّ حجّة ولو كانت داحضة ، كان معاوية الّذي يجب قتله وقتاله يستسيغ محاربة عليّ أمير المؤمنين ، وبين يديه كتاب اللّه وسنّة نبيّه صلّى اللّه عليه وآله إن كان ممّن يقتصّ أثرهما ؟ ! وفي الذكر الحكيم قوله سبحانه :
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
« 2 » .
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
« 3 » .
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
« 4 » .
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
« 5 » .
فلم يكن القتال أوّل فاصل لنزاع الامّة قبل الرجوع إلى محكمات الكتاب ، وما فيه فصل الخطاب من السنّة المباركة ؛ ولذلك كان مولانا أمير المؤمنين يتمّ عليهم الحجّة بكتابه وخطابه ، منذ بدء الأمر برفع الخصومة إلى الكتاب الكريم وهو عدله ، وكان يخاطب وفد معاوية ويقول : « ألا إنّي أدعوكم إلى كتاب اللّه عزّ وجلّ وسنّة نبيّه » « 6 » .
ومن كتاب له عليه السّلام إلى معاوية ومن قبله من قريش قوله : « ألا وإنّي أدعوكم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه ، وحقن دماء هذه الامّة » « 7 » .
فلم يعبأوا به إلّا بعد ما اضطرّوا إلى التترّس به . وقد أخبر بذلك الإمام قبل وقوع الواقعة ، فيما كتب إلى معاوية : « وكأنّي بك غدا وأنت تضجّ من
هامش
( 1 ) - [ انظر تلخيص الغدير / 292 - 294 ] .
( 2 ) - النساء : 59 .
( 3 ) - المائدة : 44 .
( 4 ) - المائدة : 45 .
( 5 ) - المائدة : 47 .
( 6 ) - تاريخ الأمم والملوك 6 : 4 [ 5 / 8 ، حوادث سنة 37 ه ] .
( 7 ) - شرح نهج البلاغة 1 : 19 [ 3 / 210 ، خطبة 48 ] .