أبا طالب ، أو أنّه إنّما قصد بذلك أن يطيب خاطر ذلك الرجل خشية أن يرتدّ أو كان
ذلك قبل أن ينزّل عليه ( وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولا ) ( 1 ) كما وقع أنّه سئل
عن أطفال المشركين ، فقال : " هم من آبائهم " ثمّ سئل عنهم فذكر أنّهم في الجنّة ( 2 ) * .
وأمّا قول النووي في حديث مسلم " إنّ من مات في الفترة على ما كانت عليه
العرب من عبادة الأوثان فهو في النار " : وليس في هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة ،
فإنّ هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره عليه الصلاة والسلام ( 3 ) فبعيد جدّاً ،
للاتّفاق على أنّ إبراهيم ومن بعده لم يرسلوا للعرب ورسالة إسماعيل إليهم انتهت
بموته ، إذ لم يعلم لغير نبيّنا ( صلى الله عليه وآله ) عموم بعثة بعد الموت .
وقد يؤوّل كلامه بحمله على عبّاد الأوثان الّذين ورد فيهم أنّهم في النار .
وبهذا يؤول كلام الفخر الرازي القريب من كلام النووي ( 4 ) .
ثمّ رأيت الآبي - شارح مسلم - بالغ في الردّ على النووي بأنّ كلامه متناف
لحكمه بأنّهم أهل فترة ، وبأنّ الدعوة بلغتهم ومن بلغتهم الدعوة ليسوا أهل فترة ،
لأنّهم الأُمم الكائنة بين أزمنة الرسل الّذين لم يرسل إليهم الأوّل ولا أدركوا الثاني .
ثمّ قال ( 5 ) : ولمّا دلّت القواطع على أن لا تعذيب حتّى تقوم الحجّة علمنا أنّ
أهل الفترة غير معذّبين انتهى . وهو موافق لما ذكرته .
وأمّا الّذين صحّ تعذيبهم مع كونهم من أهل الفترة ، فلا يردون نقضاً على ما
عليه الأشاعرة من أهل الكتاب والأُصول والشافعية من الفقهاء من أنّ أهل الفترة
لا يعذّبون ، وسبب ذلك أنّنا عهدنا في الغلام الّذي قتله الخضر ( عليه السلام ) أنّه حكم بكفره
شرح
* لو صحّ الحديث لم يصحّ تأويله بأبي طالب ( رضي الله عنه ) لأنّه لم يمت إلاّ على الإسلام ، والعقل
والنقل شاهد بذلك ، وكان كمؤمن آل فرعون يكتم إيمانه ليتيسّر له الذبّ عن رسول الله والانتصار
له ( عليه السلام ) . وأمرُ الله سبحانه لرسوله ( صلى الله عليه وآله ) بالخروج من مكّة بعد وفاته وتعليلُه بموت ناصره وهو
أبو طالب وغير ذلك أدلّة واضحة على إسلامه لا تحتمل الريب .
هامش
( 1 ) الاسراء : 15 .
( 2 ) الدرّ المنثور : ذيل الآية 15 من سورة الإسراء .
( 3 ) صحيح مسلم بشرح النووي 3 : 79 .
( 4 ) انظر التفسير الكبير للرازي : ذيل الآية 15 من سورة الإسراء .
( 5 ) أي الآبي شارح صحيح مسلم .