فأحضرهم مجلسه ثم أمر الحاجب أن لا يحجب عنه الناس . قال : فجعل الناس
يدخلون ويسلمون فينظرون إليه ثقيلا مدنفا ، فيخرجون إلى الضحاك بن قيس
الفهري وهو صاحب شرطته فيقولون : ذهب والله أمير المؤمنين ، وكأن البيعة من بعده
تخرج من آل أبي سفيان إلى آل أبي تراب ، لا والله لا نرضى بذلك أبدا .
قال : ثم اجتمع الناس إلى الضحاك بن قيس ومسلم بن عقبة المري
فقالوا ( 1 ) : إنما أنتما صاحبا أمير المؤمنين ، وقد حضره من الأمر ما قد علمتما ( 2 ) ،
ادخلا إليه ولقناه واسألاه أن يوصي إلى ابنه يزيد فإنه لنا رضى . قال : فعندها بادر
الضحاك ومسلم بن عقبة فسألاه عن نفسه ، فقال معاوية : أصبحت والله ثقيل
الوزر ، عظيم الذنب ، أرجو ربا رحيما ، وأخشى عذابا أليما . فقال له الضحاك : يا
أمير المؤمنين ! إن الناس قد اضطربوا وضجوا واختلفوا شرعة هذه وأنت حي فكيف
وإن حدث بك أمر ! فماذا ترى أن يكون حال الناس ؟ قال : ثم تكلم مسلم بن عقبة
فقال : يا أمير المؤمنين ! إنا نرى الناس ونسمع كلامهم ، ونرى أن الأمر في يزيد وهو
أهم له وهو لهم رضى ، فبادر إلى سمعته من قبل أن يعتقل لسانك . فقال : صدقت
يا مسلم ! إنه لم يزل رأيي من يزيد وهل تستقيم الناس لغير يزيد ، ليتها في ولدي
وذريتي إلى يوم الدين ، وأن لا تعلو ذرية أبي تراب على ذرية آل أبي سفيان ! ولكن
أخروا لي هذا الأمر إلي غد ، فهذا يوم الأربعاء وهو يوم ثقيل ويوم نحس لا يبرم فيه
أمر إلا كان عاقبته شرا . فقال الضحاك : يا أمير المؤمنين ! إن الناس مجتمعون
بالباب وليس يجوز أن ينصرفوا دون أن تعقد البيعة ليزيد . قال معاوية : فأدخلا إلي
إذا الناس .
قال : فخرجا واختارا سبعين رجلا من صناديد قريش وأهل الشام ، فلما دخلوا
على معاوية سلموا فرد عليهم السلام ردا ضعيفا ثم قال : يا أهل الشام ! كيف رضاكم
عني ؟ فقالوا : خير الرضى يا أمير المؤمنين ! لقد كنت لنا أبا رؤوفا وكهفا منيعا ، وأخذ
كل منهم بفرضة وأثنى عليه خيرا ، ثم إنهم سبوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه
وقالوا فيه القبيح ، وقالوا : إنه سار إلينا من العراق فقتل سراتنا وأباد حضارنا ولسنا
نحب أن تصير الخلافة إلى ولده ، فاجعلها في ولدك يزيد فإنه لنا رضى ولجميع
هامش
( 1 ) الأصل : فقالا .
( 2 ) الأصل : علمتم .