ثم نزل زياد عن المنبر ودخل إلى منزله ، واستقامت له البصرة . وكان يجيء
منها ومن كورتها ستون ألف ألف درهم ، ويعطي الذرية ستة عشر ألف ألف ، وينفق
في البنيان وما يحتاج إليه من العمارة وغير ذلك ألفي ألف ، ويدخر في بيت المال
ألف ألف درهم ، ويوجه باقي ذلك إلى معاوية .
قال : ونظر معاوية إلى عدل زياد بالبصرة ، فزاده الكوفة وضمها إليه وجعلها
زيادة في عمله ( 1 ) . قال : فكان زياد يقيم ستة أشهر بالبصرة وستة أشهر بالكوفة .
ذكر أخبار خراسان في أيام معاوية بن أبي سفيان
قال : ثم دعا معاوية برجل يقال له خالد بن المعمر السدوس ، فعقد له عقدا
وعزم على أن يوجهه إلى بلاد خراسان . قال : وكان خالد بن المعمر هذا من خيار
أصحاب علي بن أبي طالب ممن قاتل معه بصفين ، فلما قتل علي وكان من أمر
الحسن ما كان واستوسق الأمر لمعاوية قدم عليه خالد بن المعمر هذا والأعور بن
عبد الله الشني ، فاستأذنا ( 2 ) على معاوية ، فأذن لهما ، فلما دخلا وسلما رد عليهما
معاوية ردا ضعيفا ، ثم أمرهما بالجلوس فجلسا ، وجعل معاوية يذكر ما كان من
قتالهما بصفين ، فأمسكا عنه حتى فرغ من كلامه ، ثم رفع خالد صوته وأنشأ
يقول ( 4 ) :
معاوي لا تجهل علينا فإننا * نذلك في اليوم العصيب معاويا
متى تدع منا دعوة ربعية * تجبك رجال يخضبون العواليا
أجابوا عليا إذ دعاهم لنصره * بصفين إذ جروا عليك الدواهيا
فإن تصطنعنا يا بن حرب لمثلها * نكن خير من تدعو إذا كنت داعيا
ألم ترني أهديت بكر بن وائل * إليك وكانوا بالعراق أفاعيا
إذا نهشت قال السليم لأهله * ألا فابتغي لي لا أبالك راقيا
هامش
( 1 ) وكان ذلك سنة 49 ه وقبل سنة 50 ه وذلك بعد موت المغيرة . وكان زياد أول من جمع له
الكوفة والبصرة . ثم جمعت لابنه عبيد الله ، ولم تجتمع العراق قط لقرشي غيرهما .
وقد كتب بعد زياد إلى معاوية : إني قد أخذت العراق بيميني ، وبقيت شمالي فارغة ، وهو يعرض
بالحجاز ، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر ( رض ) فقال : اللهم اكفنا شماله ، فعرضت له قرحة في شماله
فقتلته ( وانظر مروج الذهب 3 / 32 ) .
( 2 ) بالأصل ، وفي الخبر كله ، استعمل صيغة الجمع ، قمنا بتصحيحه .
( 3 ) مرت الأبيات ، راجع حوادث وقعة صفين .