قال : فلم تزل جزيرة رودس بعد ذلك خرابا يبابا إلى خلافة معاوية ، فلما
صارت الخلافة إليه أرسل إلى رودس فعمرها وبنى فيها مسجدا وشحنها بالمسلمين
وقواهم بالأموال والسلاح وأمرهم بالزراعة ، فلم يزل المسلمون بها سبع سنين ( 1 ) لا
يطمع فيها ملك الروم ولا غيره من الكفار - والله أعلم - .
ذكر ما ذكر مجاهد عن هذه الجزيرة .
قال مجاهد ( 2 ) : لقد دخلت مدينة رودس في سنة ثلاث وخمسين فبنينا فيها
مسجدا وأقمنا بها مؤذنا ونصلي . قال مجاهد : وكان تبيع [ ابن - ] ( 3 ) امرأة كعب
الأحبار وكنت أقرئه القرآن فقال لي ذات يوم : يا مجاهد ! كأنك بهذه الجزيرة قد
خربت وذهب رسمها ، فقلت : يا تبيع ! وتخرب هذه الجزيرة ؟ فقال : وعلامة ذلك
أنه يهب ريح عاصف فتلقى هذه الدرجة ، قال مجاهد : فوالله ما لبثنا أن جاءت
الريح ذات يوم فرمت بتلك الدرجة وجاءنا كتاب يزيد بن معاوية من الشام بموت
معاوية ، فقفلنا وخربت الجزيرة إلى الساعة .
ذكر ما كان من قسطنطين ملك الروم
ومحاربته مع المسلمين في البحر ( 4 ) .
قال : فبينا المسلمون كذلك إذ وقع الخبر بأن قسطنطين بن هرقل ملك الروم
قد جمع الجموع وقد عزم على غزو المسلمين في البحر ( 5 ) ، قال : وبلغ ذلك
هامش
( 1 ) وكان ذلك سنة 53 ه . وقد مرت الإشارة إلى ذلك .
( 2 ) هو مجاهد بن جبر ترجم له في حلية الأولياء 3 / 279 البداية والنهاية 9 / 224 شذرات الذهب
1 / 125 .
( 3 ) زيادة عن فتوح البلدان ص 237 .
( 4 ) وهي المعركة المعروفة ب ( غزوة ذات الصواري ) انظر الطبري 5 / 68 وابن الأثير 2 / 253 البداية
والنهاية 7 / 177 .
( 5 ) في أسباب خروج قسطنطين بقوة بحرية هائلة لضرب المسلمين :
- توسع النشاط البحري الاسلامي بعد ما أدرك المسلمون أن الاتصال بالبحر المتوسط والتعرض لأخطار
البيزنطيين يتطلب إنشاء قوة بحرية ، ويعتبر معاوية أول سياسي عربي أدرك ما للأسطول من القيمة
الاستراتيجية في مواجهة الاخطار البيزنطية .
- تحرك المسلمين نحو المتوسط عبر عنه غزوة جزيرة قبرس ، والتي تعتبر من أعظم القواعد
الاستراتيجية للأسطول البيزنطي في الشرق .
- تجدد العمليات البحرية الاسلامية في الغارة التي شنت على رودس ، وجزيرة كوس وجزيرة كريت .
ولا شك أن معاوية كان يهدف من وراء هذه العمليات الاستيلاء على القسطنطينية ، ويدل على ذلك
حرصه على تأمين الطريق المؤدي إليها .
أما السبب المباشر لحركة قسطنطين فهو ما أصاب المسلمون من البيزنطيين بإفريقيا ( الطبري 5 / 69
الدولة البيزنطية للعريني ص 142 ) .