قُبضت ( 1 ) .
وعن عليّ ( عليه السلام ) قال : إنّ فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) جاءت إلى قبر أبيها بعد موته ( صلى الله عليه وآله )
فوقفت عليه ( 2 ) وبكت ثمّ أخذت قبضة من تراب القبر فجعلتها على عينها ووجهها ،
هامش
( 1 ) البحار : 43 / 201 وبلفظ " ما رؤيت ضاحكة " وانظر الكافي : 1 / 459 ولكن بلفظ " لم تَر
كاشرة ولا ضاحكة . . . " المناقب لابن شهرآشوب : 3 / 119 بزيادة على ما في البحار " . . . قط منذ قبض
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتّى توفيت " .
( 2 ) نعلم جميعاً أنّه لمّا قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) افتجع له الصغير والكبير ، وكثر عليه البكاء ، وعظم
رزؤه على الأقرباء والأصحاب والأولياء والأحباب والغرباء والأنساب ، ولم تلق إلاّ كلَّ باك
وباكية ، ونادب ونادبة ، ولم يكن أهل الأرض فقط بل أهل السماء ، وكان أشدّ حزناً وأعظم بكاءً
وانتحاباً مولاتنا فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) وكان حزنها يتجدّد ويزيد ، وبكاؤها يشتدُّ ، فجلست - كما في بعض
الروايات - سبعة أيام لا يهدأ لها أنين ، ولا يسكن منها الحنين ، كلُّ يوم جاء بكاؤها أكثر من اليوم الأوّل ،
فلمّا كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن ، فلم تطق صبراً إذ خرجت وصرخت ، فكأنّها من فم
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تنطق ، فتبادرت النسوان ، وخرجت الولائد والولدان ، وضجّ الناس بالبكاء والنحيب ، وجاء
الناس من كلّ مكان وأُطفئت المصابيح لكي لاَ تتبيّن صفحات النّساء وخيّل إلى النسوان أنّ رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) قد قام من قبره ، وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم ، وهي ( عليها السلام ) تنادي وتندب أباها : وا
أبتاه ، وا صفيّاه ، وا محمّداه ، وا أبا القاسماه ، وا ربيع الأرامل واليتامى ، مَن للقبلة والمصلّى ، ومَن لأبنتك
الوالهة الثكلى . ثمّ أقبلت تعثر في أذيالها ، وهي لاَ تبصر شيئاً من عبرتها ومن تواتر دمعتها ، حتّى دنت
من قبر أبيها محمّد ( صلى الله عليه وآله ) فلمّا نظرت إلى الحجرة ووقع طرفها على المأذنة فقصّرت خطاها ، ودام نحيبها
وبكاها ، إلى أن أُغمي عليها ، فتبادرت النّسوان إليها فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتّى
أفاقت ، فلمّا أفاقت من غشيتها قامت وهي تقول : رفعت قوّتي ، وخانني جلدي ، وشمت بي عدوّي ،
والكمد قاتلي ، يا أبتاه بقيت والهة وحيدة وحيرانة فريده ، فقد انخمد صوتي ، وانقطع ظهري ، وتنغّص
عيشي ، وتكدَّر دهري فما أجد يا أبتاه بعدك أنيساً لو حشتى ، ولا رادّاً لدمعتي ولا معيناً لضعفي ، فقد
فنى بعدك محكم التنزيل ، ومهبط جبرئيل ، ومحلُّ ميكائيل ، انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب ، وتغلّقت
دوني الأبواب فأنا للدنيا بعدك قالبة ، وعليك ما ترددّت أنفاسي باكية ، لا ينفد شوقي إليك ، ولا حزني
عليك . ثمّ نادت : يا أبتاه والبّاه ، ثمَّ قالت :
إنّ حزني عليك حزن جديد * وفؤادي والله صبٌّ عنيد
. . . إلى آخر الأبيات الموجودة في البحار : 43 / 176 ، فراجع .
إذاً الحزن والبكاء من لوازم العاطفة البشرية ومن مقتضيات رحمته سبحانه وتعالى ما لم يصحبها من
منكر القول والفعل . فقد ورد في مسند أحمد : 1 / 335 عن ابن عباس قال : قال : ( صلى الله عليه وآله ) مهما يكن من
القلب والعين فمن الله والرحمة ، ومهما يكن من اليد واللسان فمن الشيطان . وانظر الغدير : 6 / 159 ،
السنن الكبرى : 4 / 70 ، العرائس للثعالبي / 64 ط بمبي ، دعوة الحسينية / 75 جاء فيها بكاء آدم ( عليه السلام )
على ابنه هابيل حيث قال :
ومالي لا أجود بسكب دمع * وهابيل تضمّنه الضرح
وقد بكى إبراهيم ( عليه السلام ) على إسماعيل ( عليه السلام ) كما جاء في المصادر السابقة ، وبكى يعقوب ( عليه السلام ) على
يوسف ( عليه السلام ) ، وبكى زكريا ( عليه السلام ) على يحيى ( عليه السلام ) وبكى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) على جدّه عبد المطّلب وعلى أُمّه وأهل
بيته . ولسنا بصدد بيان كلّ من بكى على أمّه وأبيه وأخيه وصاحبته وبنيه وصديقه وجاره فمن شاء
فليراجع المصادر التالية :
الطبقات الكبرى : 1 / 123 ط بيروت ، فرائد السمطين : 1 / 152 ، المناقب للخوارزمي : 26 ،
ينابيع المودّة : 53 و ، و : 1 / 403 ط أُسوة ، تاريخ بغداد : 12 / 398 ، و : 7 / 279 ، المستدرك :
3 / 139 و 4 / 464 ، كنز العمّال : 13 / 112 ، و : 15 / 146 ، و : 6 / 223 ، تاريخ دمشق : 2 / 327 ،
سنن ابن ماجة : 2 / 1366 ، ذخائر العقبى : 17 وما بعدها ، حلية الأولياء : 1 / 66 ، سنن البيهقي :
4 / 70 ، المصنّف لابن أبي شيبة : 12 6 ، مقاتل الطالييين : 290 ط الحيدرية ، فرائد السمطين : 2 / 34
و 104 و 172 ، دلائل النبوة ترجمة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، الصواعق المحرقة : 115 و 190 ط المحمدية ،
المعجم الكبير للطبراني : ترجمة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، كفاية الطالب : 279 ط الغري ، مجمع الزوائد :
9 / 187 .
وانظر أعلام النبوة للماوردي : 83 ب 12 ، جوهرة الكلام : 117 ، نظم درر السمطين : 215 ،
مسند أحمد : 2 / 60 الطبعة الثانية ، البداية والنهاية لابن كثير : 6 / 230 ، و : 8 / 199 ، الروض
النضير : 1 / 89 ، تذكرة الخواص : 142 ، تهذيب التهذيب : 2 / 347 ، تاريخ الإسلام : 3 / 10 ،
سير أعلام النبلاء : 3 / 193 ، الروض الأنف : 3 / 24 ، الاستيعاب بهامش الإصابة : 2 / 348 ،
قاموس الرجال : 10 / 439 ، مروج الذهب : 2 / 298 ، شرح النهج لابن أبي الحديد : 2 / 30 ، و :
6 / 77 الطبعة الأُولى تحقيق أبو الفضل ، الكامل لابن الأثير : 3 / 178 ، تاج العروس : 2 / 454 ، لسان
العرب : 4 / 336 .