ثمّ إنّ الله تعالى أمرني أن أُزوّج فاطمة من عليّ وأُشهدكم أنّي قد زوّجت فاطمة
من عليٍّ ( 1 )
هامش
( 1 ) لا شكّ ولا ريب أنّ النكاح سنّة من سنن الله تعالى في عباده كما قال تعالى : ( وَأَنكِحُواْ الاَْيَامي مِنكُمْ
وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ ) ( سورة النور :
32 ) . والمقصود منه التناسل والتكاثر تحت ظلّ الشريعة السماوية . ولسنا بصدد بيان ذلك تفصيلا بل
نحن عالجنا موضوع الزواج في بحثنا الّذي نشرناه في رسالة التقريب تحت عنوان " الزواج من الكتابية
- بحث مقارن - " ولكن نحن بصدد تحقيق كتاب ابن الصبّاغ المالكي وإشارته إلى زواج علي ( عليه السلام ) من
فاطمة ( عليها السلام ) والأحاديث بخصوص هذه الخطبة كثيرة ومتعددة غير الرواية الّتي حققناها في المتن ، فنشير
إلى بعض منها لأنّ حياة فاطمة ( عليها السلام ) متعدّدة الجوانب فهي في بيت الرسالة وهي الوليدة وهي البنت الّتي
ترعرعت في ظلّ الوحي و . . . والممتحنة ، والمهاجرة ، والزوجة ، والأُم ، والمجاهدة ، والبتول ،
والمحتسبة ، والفقيدة و . . . و . . .
فإذا كانت فاطمة ( عليها السلام ) تحمل هذه الصفات والمكانة العالية فمن لا يحبّ شرف الاقتران بها من
كبار الصحابة ووجهاء المسلمين والفوز بمصاهرة أبيها ( صلى الله عليه وآله ) والّذي طالما كان يعرفها بقوله وفعله ( صلى الله عليه وآله )
كما ورد عن بريده عن أبيه قال : سألت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أيّ النساء أحبّ إليك ؟ قال : فاطمة . . .
وعن عائشة قالت : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة بضعة منّي . . . انظر المناقب لابن شهرآشوب : 3 / 322 ،
ينابيع المودّة : 260 ط استانبول ، بحار الأنوار : 43 / 54 ، وقد أشرنا سابقاً إلى هذه الرواية
وغيرها .
لذا فقد اتجهت الأنظار إلى فاطمة ( عليها السلام ) من قبل الصحابة وأخذ كلّ واحد منهم يحدّث نفسه بالمثول
أمام وبين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ويعلن رغبته في المصاهرة ، وهاهو أبو بكر وعمر وغيرهما من أكابر
قريش يخطب كلّ واحد منهم فاطمة ( عليها السلام ) لنفسة ولكن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يعتذر عن الاستجابه ويقول " لم ينزل
القضاء بعد " كما ورد في ذخائر العقبى : 30 ، والرياض النضرة : 2 / 183 وغيرهما . بل في بعض الكتب
التاريخية والتفسيرية والحديثية كما ورد عن بعض الصحابة قال : كانت فاطمة ( عليها السلام ) لا يذكرها أحد
لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلاّ أعرض عنه بوجهه حتّى كان الرجل منهم يظنّ في نفسه أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ساخط عليه
أو قد نزل على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيه وحي من السماء . . . انظر كشف الغمّة : 1 / 353 ، والبحار : 43 / 124
في حديث طويل و : 99 / 11 ، والمناقب لابن شهرآشوب : 2 / 30 ، و : 3 / 125 ، إحقاق الحقّ :
10 / 332 ، تفسير علي بن إبراهيم : 652 .
وانظر أيضاً كفاية الطالب : 164 ، والغدير : 2 / 315 ، وتاريخ بغداد : 4 / 129 ، أُسد الغابة :
1 / 206 ، المناقب للخوارزمي : 241 ، الصواعق المحرقة : 103 ، والصفوري في نزهة المجالس :
2 / 206 ، رشفة الصادي للعلوي : 28 ، وكنز العمّال : 6 / 153 ، و : 5 / 99 ، كنوز الحقائق : 241 ،
المناقب لابن المغازلي : 100 ، المعجم الصغير : 1 / 37 ، ينابيع المودّة : 436 ، مجمع الزوائد : 9 / 205 ،
محاضرات الأدباء للراغب الإصفهاني : 4 / 477 ، الطبقات الكبرى : 8 / 14 ، خصائص النسائي : 31
وغيرهم كثير .
إذاً لم يرخّص الوحي لفاطمة بتزويج نفسها ولم يرخّص لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو أبوها ونبيّ الأُمّه وهو
أولى بالمؤمنين من أنفسهم فكيف لاَ يرخّص له بتزويج ابنته ( عليهما السلام ) فوراء عدم الترخيص سرّ إلهي ، فما هو
يا ترى هذا السرّ ؟ والجواب على ذلك يتطلب وقفة مع الأحاديث الواردة بهذا الخصوص .
فمثلا حديث يونس بن ظبيان عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : سمعته يقول : لو لاَ أن الله تبارك
وتعالى خلق أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لفاطمة ما كان لها كفوٌ على ظهر الأرض من آدم ومن دونه . انظر
الكافي : 1 / 461 ، والمناقب لابن شهرآشوب : 2 / 181 و 29 و 30 ، و : 3 / 126 نحوه . وكذلك
حديث جبرئيل ( عليه السلام ) : . . . فزوِّج النور من النور : النور فاطمة من نور علي فإنّى قد زوّجتها في
السماء . . . انظر كنز الفوائد : 1 / 327 والبحار : 43 / 123 ، و : 36 / 361 ح 232 نقلا عن كشف الغمّة :
1 / 472 .
ومثله في كتاب المحتضر : 133 للحسن بن سليمان نقلا من كتاب الفردوس : 3 / 373 ح 5130 .
وفي الكافي : 5 / 568 / 54 عن أبان بن تغلب عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إنّما أنا بشر
مثلكم ، أتزوّج فيكم ، وازوِّجكم إلاّ فاطمة فإنَّ تزويجها نزل من السماء .
وانظر أمالي الشيخ الطوسي : 1 / 43 ، وعيون أخبار الرضا : 1 / 177 / 3 و 4 ، و : 2 / 59
ح 226 و : 26 / 12 ، وصحيفة الرضا : 18 ، وتفسير علي بن إبراهيم : 652 ، والفردوس : 1 / 397
ح 1602 ، وذخائر العقبى : 32 ، وكنز العمّال : 6 / 153 ، و : 5 / 99 ، مجمع الزوائد : 9 / 204 ،
كنوز الحقائق : 124 و 241 ، كفاية الطالب : 164 ، أُسد الغابة : 1 / 206 ، الغدير : 2 / 315 ، تاريخ
بغداد : 4 / 129 ، المناقب للخوارزمي : 241 ، ابن حجر في صواعقة 103 ، نزهة المجالس : 2 / 225 ،
رشفة الصادي للعلوي : 28 ، المناقب لابن المغازلي : 346 ، الطبقات لابن سعد : 8 / 14 ، خصائص
النسائي : 31 .
إذاً فعلاقة فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بابن عمّ أبيها ( صلى الله عليه وآله ) وأخيه كما يسميه ( صلى الله عليه وآله ) والّذي تربّى في بيته
بل هو نفسه كما أوضحت الآية الكريمة : ( فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ . . . )
كما أوضحنا ذلك سابقاً علاقة إلهية ، حتّى أنّه ( عليه السلام ) وصف هذه العلاقة بقوله : وقد علمتم موضعي
من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصّيصة ، وضعني في حجره ، وأنا ولد يضمّني
إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسّني جسده ، ويشمّني عرفه ، وكان يمضع ثمّ يلقمنيه ، وما
وجد لي كذبة في قول ، ولا خلطة في فعل . . . ولقد أتبعته أتّباع الفصيل أثَر أُمّه ، يرفع لي في كلّ يوم
من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به . . . انظر نهج البلاغة / جمع محمّد عبدة : 417 المطبعة الرحمانية
بمصر .
أذاً السرّ هو امتداد فرع النبوة والإمامة ، ولذا تؤكد السماء ورسولها ( صلى الله عليه وآله ) على أن علياً وفاطمة
وذريتهما هم أهل بيته ومن علي وفاطمة ذريته وأبناؤه وعصبته بقوله تعالى ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ
الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) وقوله ( صلى الله عليه وآله ) لعمه العبّاس عندما سأله : يا رسول الله اتحبُّ هذا ؟
فقال ( صلى الله عليه وآله ) : يا عمّ والله لله أشدّ حبّاً له منّي ، إنّ الله جعل ذرية كلّ نبيّ في صلبه وجعل ذريتي في صلب
هذا . . . فانظر التفاسير للآية والحديث في كتب الحديث أيضاً الّتي سبق وأن استخرجناه بالإضافة إلى
ذخائر العقبى : 62 ، والاستيعاب : 4 / 378 ، وتاريخ ابن كثير : 5 / 321 ، وتاريخ الخميس : 1 / 408 ،
والصواعق المحرقة : 84 ، ودلائل الإمامة : 16 ، ومدينة المعاجز : 147 على سبيل المثال لاَ الحصر .
وهكذا شاء الله أن تمتد ذرية رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن طريق فاطمة وعلي ويكون منهما الحسن والحسين ( عليهما السلام ) .