ثمّ إنّ علياً ( عليه السلام ) خرج بعسكره إلى النُخيلة ( 1 ) واستنفر ( 2 ) الناس للمسير إلى معاوية
وقتال أهل الشام ، فبلغ ذلك معاوية فاستشار عمرو بن العاص ( 3 ) فقال له : أمّا إذا
سار إليك عليّ بنفسه فأخرج إليه بنفسك ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك ( 4 ) . فخرج
معاوية وخرج معه عمرو بن العاص فكتبا الكتايب ، وعبّيا الجيوش ، وعقد معاوية
لواءً لعمرو بن العاص ، ولواءً لابنيه محمّد وعبد الله ولواءً لغلامه وردان ، وفي ذلك
يقول ( 5 ) :
هامش
( 1 ) انظر الفتوح لابن أعثم : 1 / 571 ، والإمامة والسياسة لابن قتيبة : 120 - 125 ، أعيان الشيعة :
1 / 475 - 479 ، تاريخ الطبري : 3 / 563 .
( 2 ) في ( أ ) : واستقرّ .
( 3 ) أبو عبد الله أو أبو محمّد عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشي السهمي وأُمه النابغة بنت حرملة ،
سبيت من بنى جيلان بن عتيك ، وبيعت بعكاظ واشتراها الفاكه بن المغيرة ، ثمّ انتقلت إلى عبد الله بن
جدعان ومنه إلى العاص بن وائل ، فولدت له عمراً . أرسلته قريش إلى النجاشي ليغيّر رأيه على جعفر بن
أبي طالب ومَن معه من المهاجرين إلى الحبشة ويسترجعهم إلى مكة فردّه النجاشي . أسلم سنة ثمان
وقبل الفتح بستّة أشهر . وافتتح مصر لعمر ، ووليها إلى السنة الرابعة من خلافة عثمان ، فعزله عنها ، فأخذ
يؤلّب عليه حتّى قُتل . ثمّ اشترك مع معاوية بصفين مطالباً بثأر عثمان وأشار برفع المصاحف للصلح
فانخدع جيش عليّ وقبلوا الصلح وعيّنوا أبا موسى من قِبلهم ، وعيّن معاوية عمراً فغدر بأبي موسى
وخلعا علياً ونصب عمرو معاوية وأخذ مصر طعمة من معاوية ووليها بعد قتل محمّد بن أبي بكر حتّى
توفي سنة ( 43 ه ) أو بعدها ودُفن هناك .
راجع ترجمته في جمهرة أنساب العرب لابن حزم : 154 ، وطبقات ابن سعد : 7 / ق 2 / 188 ،
المعارف لابن قتيبة : 285 ، أُسد الغابة : 4 / 420 ، الكامل في التاريخ : 2 / 232 ، البداية والنهاية :
4 / 275 ، شرح النهج لابن أبي الحديد : 1 / 20 و 8 / 53 ، مقاتل الطالبيين : 44 ، الإرشاد : 1 / 18 - 22 .
( 4 ) انظر تاريخ الطبري : 3 / 562 مع اختلاف يسير في اللفظ .
( 5 ) انظر تاريخ الطبري : 3 / 562 وقد ذكر ابن أعثم في الفتوح : 1 / 521 كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى
عمرو بن العاص ، وعمرو يومئذ بفلسطين . وكذلك ذكر المحاورة الّتي جرت بين عمرو بن العاص وابنيه
عبد الله ومحمّد . وقول عبد الله : أمّا أنا فأقول : إنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) خرج من الدنيا وهو عنك راض وكذلك
الخليفتان من بعده : أبو بكر وعمر ، وأمّا عثمان فإنّه قُتل وأنت عنه غائب ، وقد وسّع الله عليك فاقعد في
بيتك ، فإنّك لاَ تطمع أن تكون خليفة ، وليس ينبغي لك أن تكون حاشية معاوية على دنيا قليلة زائلة عن
أهلها ، والسلام .
وقال ابنه محمّد : أمّا أنا فأقول : إنّك شيخ قريش وصاحب أمرها ، وإنّ اضطراب هذا الأمر وأنت
عنه غائب لصغر أمرك ويذهب قدرك ، فالحق بجماعة من أهل الشام فكن يداً من أيديها ، واطلب بدم
عثمان بن عفان ، فلست أقلّ من معاوية .
فأطرق عمرو ساعة ثمّ قال : أمّا أنت يا عبد الله ، فأشرت عليَّ بما هو خيرٌ لي في دنياي وديني ،
وأمّا أنت يا محمّد ، فأشرت عليّ بما هو خيرٌ لي في دنياي ، وسأنظر في ذلك . فلمّا جنّ عليه الليل رفع
صوته وجعل يقول شعراً :
تطاول ليلي للهموم الطوارق * وخوف الّتي تبدي وجوه العوائق
إلى آخر الأبيات الّتي ذكرها اليعقوبي في تاريخه : 2 / 185 .
ثمّ أدنى عمرو غلاماً يقال له وردان ، فقال له : ارحل يا وردان ، فعبّى له الأثقال وترحّل ، فقال له
عمرو : حطّ يا وردان ، فحطّ ، ثمّ قال : ارحل يا وردان ، فرحل ، فلم يزل عمرو يقول : ارحل وحطّ ، فقال
له وردان : أبا عبد الله ، ما شأنك ؟ أخولطت ؟ فقال عمرو : لاَ ، قال : فما قصتك ؟ مرّة تقول : ارحل
يا وردان ، ومرّة تقول : حطّ يا وردان ! فقال عمرو : لاَ أدري ، قال وردان : لكني أدري ، والله أنت رجل قد
اعترضت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت : إنّ علياً معه آخرة بلا دنيا ، وفي الآخرة عوض من الدنيا ،
ومعاوية معه دنيا بلا آخرة وليس في الدنيا عوض من الآخرة . . . فقال عمرو : لله أبوك يا وردان ، ما
أخطأت شيئاً . . . ولكن هات ما عندك من الرأي . فقال وردان : عندي والله من الرأي أن تجلس في
بيتك . . . فقال عمرو : يا وردان ، الآن أقعد في بيتي ، وقد سمعت العرب بتحريكي إلى معاوية ، ارحل
يا وردان ، فرحل وردان وأنشأ عمرو يقول شعراً :
يا قاتل الله ورداناً وأربته * أبدى لعمرك ما في الصدر وردان
إلى آخر الأبيات كما أوردها اليعقوبي في تاريخه : 2 / 185 ، وابن أعثم في الفتوح : 1 / 522
هامش 1 ، وانظر هذه المساجلات في وقعة صفين : 34 - 35 - 38 و 40 .
ونقل ابن أبي الحديد في شرحه على النهج : 1 / 137 تعليق أبي القاسم البلخي على قول عمرو
لوردان " دعنا عنك " كناية عن الإلحاد بل تصريح به . أي دع هذا الكلام الّذي لا أصل له فإنّ اعتقاد
الآخرة وأنها لاَ تباع بعرض الدنيا من الخرافات . وقال ( رحمه الله ) : وما زال عمرو بن العاص ملحداً ما تردّد قطّ
في الإلحاد والزندقة ، وكان معاوية مثله . ويكفي من تلاعبهما بالإسلام حديث السرار المروي ، وأنّ
معاوية عضّ أُذن عمرو . أين هذا من أخلاق عليّ ( عليه السلام ) وشدّته في ذات الله ، وهما مع ذلك يعيبانه بالدعابة .
ونقل ابن قتيبة في الإمامة والسياسة هذه المساجلات بين عمرو وابنيه وغلامه وكذلك مساومة
عمرو بن العاص معاوية على مصر في : 1 / 112 وما بعدها .
وقد علّق أبو عثمان الجاحظ على المساومة بقوله : كانت مصر في نفس عمرو بن العاص لأنّه هو
الّذي فتحها في سنة تسع عشرة من الهجرة في خلافة عمر ، فكان لعظمها في نفسه وجلالتها في صدره
وما قد عرفه من أموالها وسعة الدنيا لاَ يستعظم أن يجعلها ثمناً من دينه . نقل هذا الكلام ابن أبي الحديد
في شرح النهج : 1 / 138 ، وانظر مروج الذهب : 2 / 390 ، الكامل : 3 / 179 ، الطبري : 6 / 56 .