- بحار الأنوار جلد : 70 من صفحة 268 سطر 6 إلى صفحة 269 سطر 7 ثم قال : اعلم أن الله تعالى لما خلق الانسان معرضا للفساد والموتان ، بأسباب في داخل بدنه ، وأسباب خارجة منه ، أنعم عليه بما يحميه الفساد ، ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم ، سماه في كتابه . أما السبب الداخل فإنه ركبه من الرطوبة ، والحرارة ، وجعل بين الرطوبة والحرارة عداوة ومضادة ، فلا تزال الحرارة تحلل الرطوبة ، وتجففها وتبخرها حتى يتفشى أجزاؤها بخارا يتصاعد منها ، فلو لم يتصل بالرطوبة مدد من الغذاء يجبر ما انحل وتبخر من أجزائها لفسد الحيوان ، فخلق الله الغذاء الموافق لبدن الحيوان ، وخلق للحيوان شهوة تبعثه على تناول الغذاء كالموكل به في جبر ما انكسر وسد ما انثلم ، ليكون حافظا له من الهلاك ، بهذه الأسباب . وأما الأسباب الخارجة التي يتعرض لها الإنسان فكالسيف والسنان ، وسائر المهلكات التي يقصد بها ، فافتقر إلى قوة وحمية تثور من باطنه ، فيدفع المهلكات عنه فخلق الله الغضب من النار ، وغرزه في الإنسان ، وعجنه بطينته ، فمهما قصد في غرض من أغراضه ، ومقصود من مقاصده ، اشتعلت نار الغضب ، وثارت ثورانا يغلى به دم القلب ، وينتشر في العروق ، ويرتفع إلى أعالي البدن كما ترتفع النار وكما يرتفع الماء الذي يغلى في القدر . ولذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين ، والبشرة بصفائها تحكي لون ما وراءها من حمرة الدم ، كما تحكي الزجاجة لون ما فيها ، وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه ، واستشعر القدرة عليه ، فإن صدر الغضب على من هو فوقه وكان معه يأس من الانتقام تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب وصار حزنا ولذلك يصفر اللون ، وإن كان الغضب على نظير يشك فيه تولد منه تردد بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر ، ويضطرب . وبالجملة فقوة الغضب محلها القلب ومعناها غليان دم القلب ، لطلب الانتقام وإنما يتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات ، قبل وقوعها ، وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها ، والانتقام قوت هذه القوة وشهوتها ، وفيه لذتها ، ولا تسكن إلا به .
فقه الطب — صفحة 5686
مساهمون: مركز المعجم الفقهي
ص٥٦٨٦