أن يكون ترك الدعوى واسترداده برضاً من المدّعى عليه وإلاّ فلا أقلّ من أن يرخّص
المدّعى عليه أن يشتكي على المدّعي من هذه الجهة لأنّه سبب إضراره المالي وغيره .
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم ( رحمه الله ) ذكر وجهاً آخر في المسألة وهو أنّ توقّف الحكم على مطالبة
المدّعي وعدمه ليس مبنيّاً على أنّ المطالبة حقّ للمدّعي أم لا ، بل على أنّ الحكم والترك
كليهما للمدّعي أو الحكم فقط دون الترك ؟ فإن قلنا بالأوّل فيثبت التوقّف ؛ لأنّ أحدهما
ليس بأولى من الآخر فتقديمه عليه يحتاج إلى الإذن والمسألة وأمّا لو قلنا : إنّ الحكم فقط
حقّ له دون تركه ، فرجوعه إلى الحاكم يكفي في جواز المطالبة ، ولا يحتاج إلى إذن آخر ،
ولعلّ الأوّل هو الأقرب حتّى في الحكم بعد الإقرار فضلاً عن الحكم بعد إقامة البيّنة . ( 1 )
أقول : وفيه منع لا يخفى على المتأمّل المدقّق ؛ فإنّ الحكم وتركه ليسا هما حقّاً
للمدّعي ، ولا أحدهما ؛ وإنّما للمدّعي حقّ الرجوع إلى الحاكم ، وحقّ المطالبة بالحكم ؛
وهو قد استفاد من حقّه بالرجوع إلى الحاكم والطلب منه .
وبما أنّ ذلك حقّ له ، فلو أراد عدم الاستفادة منه ؛ لأمكنه ذلك بترك المطالبة والرجوع
عن رجوعه . فإذا لم يترك ولم يرجع ، فللحاكم أن يفعل كلّ فعل وقول يتوقّف رفع
الخصومة عليه ، من غير احتياج إلى مسألته . ولعمري ، هذا غير خفيّ على المتأمّل . هذا أوّلاً .
وثانياً ، بيد أنّ هذا إنّما يصار إليه قبل ثبوت الحقّ للحاكم ، وأمّا إذا ثبت عنده الأمر
بالبيّنة أو الأمارات المفيدة للعلم أو حلف المنكر ، وثبت أنّ المدّعي لا حقّ له ، فهل له أن
يطلب من الحاكم عدم الحكم ، كجوازه قبل ثبوت الحقّ أو لا ؟ فيه تأمّل .
ولعلّ الأقوى أنّه ليس له ذلك ، لأنّه إذا ثبت عند الحاكم براءة المدّعى عليه ، فلو قلنا :
إنّه يجوز له مطالبة ترك الحكم ، لأدّى إلى مزاحمة حقّ المدّعى عليه ؛ وذلك لأنّه اتّهم
بتوجّه الدّعوى إليه ، فإذا ثبت عند الحاكم براءته ولم يحكم بها ، فيصير مظلوماً ؛ وبالتالي
هامش
1 - راجع : القضاء الإسلامي ، ج 1 ، صص 376 و 377 - كتاب القضاء للمحقّق الآشتياني ، ص 97 .