إليهم الخطأ والسهو ، فهل للقاضي أن يعتمد على ذلك التأييد في قضائه ويحكم بمقتضاه ؟
ربّما يقال بأنّ تزكية المدّعى عليه كافية ؛ لأنّها بمنزلة الإقرار ، ولأنّها يظهر منها أنّ
المدّعى عليه راض بهذا القضاء ؛ ولأنّه كما نقل في الحديث النبوي ، أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان
يفعل ذلك .
ولكن أقول : كون تزكية المدّعى عليه بمنزلة الإقرار ليس معناه أنّه يعمّها حكم
الإقرار ، ذلك لأنّ التزكية أعمّ من الرضا .
ثمّ على فرض ثبوته ، فذلك لا يكفي ؛ لأنّه مثل من يرضى أن يحاكم على أساس شهادة
الفاسق ؛ ولا يجوز للحاكم أن يحكم بشهادة الفاسق لرضا المدّعى عليه بذلك ، والحديث
ضعيف السند ، ووحده قاصر عن إثبات هذا الحكم .
الأمر الثامن : في جواز إطلاق الجرح والتعديل أو لزوم تفسيرهما
قال العلاّمة ( رحمه الله ) : " قال الشيخ في المبسوط والخلاف : لا يقبل الجرح إلاّ مفسّراً ويقبل
التعديل المطلق من غير تفسير . واستدلّ في الخلاف بأنّ الناس يختلفون فيما هو جرح
وما ليس بجرح ، فيجب أن يفسّر ، لأنّه ربما اعتقد فيما ليس بجرح أنّه جرح ، فإذا فسّره ،
عمل القاضي بما يقتضي الشرع فيه من جرح أو تعديل . وفرّق في المبسوط بأنّ التزكية
إقرار صفة على الأصل ، فلهذا قبلت من غير تفسير ، والجرح إخبار عمّا حدث من عيوبه
وتجدّد من معاصيه ، فبان الفرق بينهما . وتبعه ابن إدريس وابن حمزة . وقال ابن الجنيد :
فقد ينبغي للقاضي أن لا يقبل قول الذي وجّهه بالمسألة ولا يقبل هو ممّن يسأله الجرح
والتعديل مختصراً ، فربّ شيء يكون عند الشاهد جرحاً ولا يكون عند المشهود عنده
جرحاً حتّى يبيّن الشيء الذي استحقّ المسؤول عنه أن يكون مجروحاً من أقواله وأفعاله ،
ولا يقنع من المجيب بالتعديل حتّى يقول : هذا عدل عليّ ولي . والوجه التسوية بينهما .