هذا لو كانت العدالة شرطاً واقعيّاً وأمّا لو كانت شرطاً علميّاً ، ففي كلا الموردين
المذكورين آنفاً ، يكون الحكم صحيحاً ونافذاً ويكون نقضه حراماً .
إلاّ أنّ الذي يتجلّى للنظر هو الاحتمال الأوّل . بمعنى كون العدالة شرطاً واقعيّاً وهو
مقتضى ظاهر أدلّة الاشتراط ، بل هو مفاد كلّ دليل يعتبر شيئاً ما شرطاً . وذلك لأنّ ظهور
الدليل ، كون واقعية الشيء شرطاً لا وجوده العلمي ؛ وعلى هذا فهو يختلف بحسب
الشرائط . فالذي يقول : صلّ خلف كلّ من تثق بدينه ، فذلك يعني أنّ الشرط هو الوثوق
بدينه لا واقع دينه ، بخلاف العدالة . وعليه فإذا انكشف الخلاف عنده بالتفصيل الذي مضى
سابقاً ، فالحكم ينتفي بنفسه .
ولكن بالنسبة إلى النتيجة الثانية ، فعلينا أن نتذكّر أنّ الشرط مع كونه واقعيّاً ، يتفاوت مع
ما ذكرنا ووجهه أنّ إحراز العدالة معتبر عند القاضي فكشفها والاعتقاد بها وظيفة له ، فإذا
أحرز واعتقد أنّ الشاهد عادل ، كان الحكم نافذاً حتّى بالنسبة لأولئك الذين يعرفون
الشهود بكونهم فسقة ، لأنّ إحراز العدالة ( الواقعيّة ) وظيفة له لا لهم فإحراز الآخرين
للفسق ليس له أثر كما أنّ إحرازهم للعدالة كذلك ، وإلاّ للزم إشكالان آخران لا مفرّ منهما
وهما :
1 - أن ينتفي الغرض من دور القضاء ، لأنّ القضاء فرع من فروع الحكومة وما الغرض
من تشريعه إلاّ حفظ نظام المجتمع ، والمنع من الإخلال في الأمور ، بالإضافة إلى الفصل
بين الخصومات ، وتنظيم الأمور .
فلو قلنا : إنّ نفوذه واعتباره مختصّ بالذين لا يعرفون فسق الشهود بأنفسهم ، لأمكن
في جميع الموارد أن يقول المدّعى عليه أو المحكوم عليه : أنّي أردّ هذه البيّنة لأنّني
أعرفهم بالفسق ، فينتهي الحكم إلى طريق مسدود وليس لنا طريق إلاّ أن نقول : إنّ إحراز
القاضي عدالة الشاهد ، كاف في حرمة نقض الحكم وردّه .
2 - إذا قلنا بأنّ حكم القاضي غير نافذ في حقّ من يعرف فسق الشهود ، للزم أن نقول
فقه القضاء — صفحة 380
مساهمون: السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي
ص٣٨٠