الاجتهاد والعدالة فحسب . لأنّ هذين لو كانا كافيين في استنباط الأحكام الكلّيّة من أدلّتها
الأصليّة ، فهما - خصوصاً يومنا هذا - ليسا بكافيين في تعيين مصاديق تلكم الكلّيّات ، وردّ
الفروع فيها إلى أصولها . بل ، الأمر مع ذلك يحتاج إلى معاونة الاستشاريّين في أمور القضاء
والجزاء ، وحتّى المتخصّصين من سائر أهل العلم ، على اختلاف فنونهم ، وعديد اتّجاهاتهم .
فمثلاً ، إذا اقتضى الأمر منّا التحقيق في حادث سقوط طائرة ، من حيث إنّ ذلك
الحادث هل وقع نتيجة أمر عفوي ، أم بسبب خلل فنّي ، أم كان ذلك من جرّاء فعل تخريبي
من قبل أشخاص لهم هدف من وراء ذلك ، في هذه الحالة ، هل يكتفى بمجرّد البيّنة
واليمين أم أنّ البتّ فيها يستوجب الرجوع والاستفادة من خبرات ذوي الفنّ
والاختصاص كلّ في مجال عمله ؟ والتأمّل في هذا المثال ونظائره وما يتطلّبه من
إجراءات كشفيّة يوضّح أهميّة الاستعانة هنا بما لا مزيد عليه .
ثمّ ، إذا قلنا بضرورة لزوم الاستفادة من نظرات أهل الخبرة ووجوب الرجوع إليهم في
الكشف عن الحوادث الغامضة وهي كثيرة الوقوع ، وكثيراً ما تمسّ الحاجة إلى الكشف
عنها في سير وقوع الحوادث التي يمرّ بها القضاء ، هنا يبرز سؤال جديد مهمّ ، هو هل يجوز
للقاضي أن يستند إلى أقوال ذوي الخبرة أم لا ؟ وعلى فرض جوازه فهل هو من باب
الشهادة الشرعيّة ، فيعتبر فيها ما يشترط في هذه أم لا ؟
قد يقال : إنّ الاستناد هنا ، هو من باب الشهادة الشرعيّة ؛ فيعتبر فيه من التعدّد والعدالة ،
ما يعتبر في تلك .
قال المحقّق ( رحمه الله ) في دية العمد : " ولو اختلف في الحوامل ، رجع إلى أهل المعرفة " ( 1 )
وقال صاحب الجواهر ( رحمه الله ) : " والأولى ، اعتبار التعدّد والعدالة فيها " ( 2 ) ولكنّ الشهادة ، يعتبر
هامش
1 - شرائع الإسلام ، ج 4 ، ص 246 .
2 - جواهر الكلام ، ج 43 ، ص 22 .