الدليل الأول : الاستغناء عن التعريف والإثبات
وهو نفس ما تقدّم من البيان في الدليل الأوّل على إثبات بداهة المبدأ التصوّري لمفهوم الموجود المطلق ، وهو أنّ أصل الواقعيّة لو لم تكن بديهيّة على مستوى التصديق وكان التامّة في الخارج ، للزم الاحتياج إلى البرهنة عليه وإثباته في علم آخر يكون أسبق وأعلى من الفلسفة وأعمّ منها موضوعاً ، وهو خلف كون الفلسفة العلم الأعلى الذي تحتاج إليه سائر العلوم في إثبات موضوعاتها ، فلا بدّ أن يكون بديهيّاً وغنيّاً عن البرهنة والاستدلال ، بل لا يمكن البرهنة عليه في أيّ علم من العلوم ( 1 ) . وقد أشار صدر المتألّهين إلى هذا الدليل بقوله : « مستغنياً عن التعريف والإثبات ، وإلاّ لم يكن موضوعاً للعلم العامّ » فإنّ مراده من الاستغناء عن الإثبات ، بداهة المبدأ التصديقي لموضوع الفلسفة .
الدليل الثاني : قاعدة ما لا حدّ له لا برهان عليه
استدلّ صدر المتألّهين على بداهة المبدأ التصديقي لموضوع الفلسفة بقوله : « ولمّا لم يكن للوجود حدّ فلا برهان عليه ، لأنّ الحدّ والبرهان متشاركان في حدودهما على ما تبيّن في القسطاس » .
وهذه قاعدة فلسفيّة مهمّة حاصلها : أنّ كلّ ما هو بديهيّ من الناحية التصوّرية ولا حدّ ولا تعريف له فهو بديهيّ أيضاً من الناحية التصديقيّة ولا برهان عليه ، وذلك لأنّ الحدّ والبرهان متشاركان في حدودهما ، فإذا انتفى أحدهما انتفى الآخر أيضاً .
هامش
( 1 ) ذكرنا سابقاً أنّ هذا الدليل غير تامّ ؛ لإمكان إنكار الملازمة ، إذ ما ذكره المصنّف من اللازم إنّما هو لازم أعمّ ، فقد لا يبحث موضوع الفلسفة في بقيّة العلوم ، ومع ذلك يستدلّ عليه في مطلع البحوث الفلسفيّة كمبادئ تصديقيّة ممهّدة للدخول في مسائل الفلسفة .