الأدلّة على بداهة مفهوم الموجود المطلق
بعد أن اتّضحت هذه المقدّمات الأربع ، نشرع في بيان الشواهد والأدلة التي ساقها صدر المتألهين للبرهنة على بداهة مفهوم الموجود المطلق الذي هو موضوع الفلسفة : الدليل الأول : لو لم يكن مفهوم الموجود المطلق بديهياً وبيّناً بنفسه للزم الاحتياج إلى البحث عنه في علم آخر أسبق من الفلسفة وأعلى وأعمّ منها موضوعاً ، إلا أنّ هذا خلف ما تقدّم سابقاً من أنّ الفلسفة هي أمّ العلوم وهي العلم الأعلى ، وأنّ سائر العلوم الأخرى محتاجة إليها في إثبات موضوعاتها ، فكيف تكون هي محتاجة في تعريف وبيان موضوعها إلى تلك العلوم ؟ ! فحيث إنّ الموجود المطلق وقع موضوعاً للعلم الأعلى ، ولا صلاحية للعلوم الأخرى أن تتعرّض لموضوع ذلك العلم ، فيثبت بذلك بداهة مفهومه وعدم احتياجه إلى التعريف ، وإلّا لم يكن موضوعاً للعلم الأعلى ، وهو خلف . والحاصل : إنّ مفهوم الموجود المطلق لا يبحث عنه في الفلسفة ، لأنّه من المبادئ التصوّرية ، وقد تقدّم أنّها خارجة عن مسائل العلم ، ولا يمكن أن يبحث عنه في سائر العلوم الأخرى ، لأنّه موضوع للعلم الأعلى ولا يوجد علم أسبق وأعلى وأعمّ من الفلسفة كي يبحث فيه ، فلا بدّ أن يكون بديهيّاً وغنيّاً عن التعريف ، بل لا يمكن أن يذكر له تعريف حقيقيّ في أيّ من العلوم ، لا أنّه غنيّ عن التعريف فحسب ( 1 ) .