المقدمة الثالثة : الملاك في التعريف الحقيقيّ المنطقيّ
إنّ بداهة مفهوم من المفاهيم أو قضية من القضايا لا تمنع عن وقوع الغفلة في ذلك المفهوم ، فإنّ البعض قد تقع منه الغفلة فلا يلتفت إلى مفهوم من المفاهيم حتى مع بداهته في الواقع ، ومن هنا احتاج للتنبيه إلى بداهة ذلك المفهوم وارتكازه بذكر بعض الشواهد والتنبيهات التي قد يطلق عليها تعاريف وأدلّة وبراهين من باب المسامحة والتوسّع .
إذن ملاك التعريف الحقيقي أن يجعل المجهول معلوماً عند السامع فيفيده معرفة جديدة ، وأمّا إذا لم يكن كذلك فهو تعريف لفظيّ . فالسامع لا يجهل المعنى وإنّما يجهل وضع اللفظ بإزاء ذلك المعنى ، فيقوم المتكلّم بتنبيهه وإلفات نظره إلى معنى ذلك اللفظ الخاصّ عن طريق ذكر بعض الألفاظ الأخرى المشهورة والمأنوسة عند السامع ، كأن يقول له بأن الوجود هو الثابت العين ، فيلتفت السامع إلى مرتكزاته الذهنية وينتبه إلى أنّ المراد من لفظ الوجود هو ذلك الثبوت المركوز في ذهنه .
المقدمة الرابعة : اختصاص البداهة التصورية بالمفاهيم
إنّ البحث في إثبات بداهة المبدأ التصوّري لموضوع الفلسفة إنّما هو بحث على مستوى المفهوم ، فالمراد من الموجود المطلق مفهومه ، وإلّا فإنّ الواقع الخارجي وأصل الواقعية الخارجية لا يمكن أن يأتي إلى الذهن كي يبحث في بداهته على مستوى التصوّر ؛ ولذا قال الحكيم السبزواري في منظومته :
مفهومه من أعرف الأشياء وكنهه في غاية الخفاء ( 1 )
هامش
( 1 ) شرح المنظومة ، قسم الفلسفة ، ملا هادي السبزواري ، مؤسسة انتشارات دار العلم ، قم المقدسة : ص 9 .