تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
أيضا لأنه لا لون لها في فلكها وأم المرئية عندنا في الحطب والفتيلة وسائر ما يحترق فإنما هي رطوبات ذلك المحترق يستحيل هواء فيه نارية فتكتسب ألوانا بمقدار ما تعطيها طبيعتها فتراها خضراء ولا وردية وحمراء وبيضاء وصفراء وبالله تعالى التوفيق وهذا يعرض للرطوبات المتولد منها دائرة قوس قزح قال أبو محمد أجمع جميع المتقدمين بعد التحقيق بالبرهان على أنه لا يرى إلا الألوان وأن كل ما يرى فليس إلا لونا وحدوا بعد ذلك البياض بأنه لون يفرق البصر وحدوا السواد بأنه لون يجمع البصر قال أبو محمد وهذا حد وقعت فيه مسامحة وإنما خرجوه على قول العامة في لون السواد ومعنى يجمع البصر أنه يقبضه في داخل الناظر ويمنع من انتشاره ومن تشكل المرئيات وإذا هذا معنى القبض بلا شك فهو معني منع البصر والإدراك وكفه ومن هذا سمي المكفوف مكفوفا فإذا السواد يمنع البصر من الانتشار ويقبضه عن الانبساط ويكفه عن الإدراك وهذا كله معنى واحد وأن اختلفت العبارات في بيانه فالسواد بلا شك غير مرئي إذ لو رؤي لم يقبض خط البصر إذ لا رؤية إلا بامتداد البصر فإذ هو غير مرئي فالسواد ليس لونا إذ اللون مرئي ولا بد وما لم ير فليس لونا وهذا برهان عقلي ضروري وبرهان آخر حسي وهو أن الظلمة إذا أطبقت فلا فرق حينئذ بين المفتوح العينين السالم النظرين وبين الأعمى المنطبق والمسدود العينين سدا أو كفا فإذ ذلك كذلك فالظلمة لا ترى ومن الباطل الممتنع أن تكون ترى الظلمة وبالحس نعلم أن المنطبق العينين فيها بمنزلة واحدة من عدم الرؤية ومع المفتوح العينين فيها والظلمة هي السواد نفسه فمن ادعى أنهما متغايران فقد كابر العينان وادعى مالا يأتي عليه بدليل أبدا ونحن نجد ان لو فتح في حائط بيت مغلق كوتان ثم جعل على أحداهما ستر أسود وتركت الأخرى مكشوفة لما فرق الناظر من بعد بينهما أصلا ولو جعل على أحداهما ستر أحمر أو أصفر أو أبيض لتبين ذلك للناظر يقينا من بعد أو قرب وهذا بيان أن السواد والظلمة سواء وبرهان آخر حسي وهو أن خطوط البصر إذا استوت فلا بد من أن تقع على شيء ما لم يقف فيه مانع من تماديها ونحن نشاهد من بين يديه ظلمة أو هو فيها لا يقع بصره على حائط أن كان في الظلمة وسواء كان فيها حائط مانع من تمادي خط البصر أو لم يكن
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 137 | ابن حزم