تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
قال أبو محمد ويقال لمن قال لكل ذي ملة أو نحلة أو مذهب لعلك مخطئ وأنت تظن أنك مصيب لأن هذا ممكن في كثير من الأقوال بلا شك أخبرنا أفي الناس من فسد دماغه وهو يظن أنه صحيح الدماغ فإن أنكر ذلك كابر ودفع المشاهدات وأن قال هذا ممكن قيل له لعلك أنت الآن كذلك وأنت تظن أنك سالم الدماغ فإن قال لا لأن ها هنا براهين تصحح أني سالم الذهن قيل له وها هنا براهين تصحح الصحيح من الأقوال وتبينه من الفاسد فإن سأل عنها أجبت بها في مسألة مسألة قال أبو محمد فإذ قد بطل بيقين أن تكون جميع أقوال الناس صحيحه لأن في هذا أن يكون الشيء باطلا حقا معا وبطل أن تكون كلها باطلا لأن في هذا أيضا إثبات الشيء وضده معا لأن الأقوال كلها إنما هي نفي شيء يثبته آخر من الناس فلو كان كلا الأمرين باطلا لبطل النفي في الشيء وإثباته معا وإذا بطل إثباته صح نفيه وإذا بطل نفيه صح إثباته فكان يلزم من هذا أيضا أن يكون الشيء حقا باطلا معا تثبت بيقين أن في الأقوال حقا وباطلا وإذ هذا لا شك فيه فبالضرورة نعرف أن بين الحق والباطل فرقا موجودا وذلك الفرق هو البرهان فمن عرف البرهان عرف الحق من الباطل وبالله تعالى التوفيق فإن قال قائل فإنكم محيلون على براهين تقولون أن ذكرها جملة لا يمكن وتأمرون بالجد في طلبها فما الفرق بينكم وبين دعاة الإسماعيلية والقرامطة الذين يحيلون على مثل هذا قلنا لهم الفرق بيننا وبينهم برهانان واضحان أحدهما أن القوم يأمرون باعتقاد أقوالهم وتصديقهم قبل أن يعرفوا براهينهم ونحن لا نفعل هذا بل ندعوا إلى معرفة البراهين وتصحيحها قبل أن نصدق فيما نقول والثاني أن القوم يكتمون أقوالهم وبراهينهم معا ولا يبيحونها للسبر والنظر ونحن نهتف بأقوالنا وبراهيننا لكل أحد وندعوا إلى سبرها وتقبيسها وأخذها إن صحت ورفضها إن لم تصح والحمد لله رب العالمين ولسنا نقول أننا لا نقدر أن نحد براهيننا بحد جامع مبين لها بل نقدر على ذلك وهو أن البرهان المفرق بين الحق والباطل في كل ما اختلفوا فيه أن يرجع رجوعا صحيحا متيقنا إلى الحواس أو إلى العقل من قرب أو من بعد رجوعا صحيحا لا يحتمل ولا يمكن فيه إلا ذلك العمل فهو برهان وهو حق متيقن وأن لم يرجع كما ذكرنا إلى الحواس أو إلى العقل فليس برهانا ولا ينبغي أن تشتغل به فإنما هو دعوى كاذبة وبالله تعالى التوفيق
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 135 | ابن حزم