تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
في العالم أم ليس في العالم ولا سبيل إلى قسم ثالث فإن قالوا ليس هو في العالم صدقوا وأبطلوا إلا أنهم يلزمهم قول فاحش وهو أنهم يقولون أن جميع العالم مركب من أجزاء لا تتجزأ والكل ليس هو شيئا غير تلك الأجزاء فإن كانت تلك الأجزاء ليست في العالم فالعالم عدم ليس في العالم وهذا تخليط كما ترى وإن قالوا بل هو في العالم قلنا لهم لا يخلو أن في كل كرة العالم من أن يكون أما قائما بنفسه حاملا وأما أن يكون محمولا غير قائم بنفسه لا بد ضرورة من أحد الأمرين إذ ليس العالم كله إلا على هذين القسمين فإن كان محمولا غير قائم بنفسه فهو عرض من الأعراض وإن كان حاملا قائما بنفسه ذا مكان فهو جسم وثم يقال لهم أخبرونا عن الجزء الذي ذكرتم أنه لا يتجزأ وهو على قولكم في مكان لأنه بعض من أبعاض الجسم هل الملاقى منه للمشرق هو الملاقى للمغرب أم غيره وهل المحازي منه للسماء هو المحازي منه للأرض أم غيره فإن قالوا كل ذلك واحد والملاقي منه للمشرق هو الملاقى منه للمغرب والمحازى منه للسماء هو المجازى منه للأرض أتوا بإحدى العظائم وجعلوا جهة المشرق منا هي جهة المغرب وجعلوا السماء والأرض منه في جهة واحدة وهذا حمق لا يبلغه إلا الموسوس ومكابرة للعيان لا يرضاها لنفسه سالم البنية وإن قالوا بل الملاقى منه للمشرق هو غير الملاقى منه للمغرب وأن السماء والأرض منه في جهتين متقابلتين فوق وأسفل صدقوا وهكذا جهة الجنوب والشمال فإذ ذلك كذلك بلا شك فقد صح أنه ذو جهات ست متغايرة وهذا إقرار منهم بأنه ذو أجزاء إذ قطعوا بأن الملاقي منه للمغرب غير الملاقي منه للمشرق ومن للتبعيض وبطل قولهم من قرب والحمد لله رب العالمين قال أبو محمد فإن أرادوا إلزامنا مثل هذا العرض قلنا للعرض جهة ولا له مكان ولا يقوم بنفسه ولا يحاذي شيئا وإنما يحاذي الأشياء حامل العرض لا العرض إذ لو ارتفع العرض لبقي حامله مالئا لمكانه كما كان محاذيا من جميع جهاته ما كان يحاذي حين حمله للعرض سواء سواء ولو ارتفع في قولكم الجزاء الذي لا يتجزأ لبقي مكانه خاليا منه وقد أوضحنا أن عرضين وأعراضا تكون في جسم واحد في جهة واحدة منه وهم لا يختلفون في أن جزئين كل واحد منهما لا يتجزأ أفلا يمكن البتة أن يكونا جميعا في مكان واحد بل لكل واحد منهما عندهم مكانا غير مكان الآخر وبرهان آخر وهو أنهم يقولون أن الجزء الذي لا يتجزأ
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 100 | ابن حزم