تصديقا في لغة العرب ولا إيمانا مطلقا إلا من صدق بالشيء بقلبه ولسانه معا فبطل تعلق الجهمية والأشعرية باللغة جملة ثم نقول لمن ذهب مذهب أبي حنيفة في أن الإيمان إنما هو التصديق باللسان والقلب معا وتعلق في ذلك باللغة إن تعلقكم باللغة لا حجة لكم فيه أصلا لأن اللغة يجب فيها ضرورة أن كل من صدق بشيء فإنه مؤمن به وأنتم والأشعرية والجهمية والكرامية كلكم توقعون اسم الإيمان ولا تطلقونه على كل من صدق بشيء ما ولا تطلقونه إلا على صفة محدودة دون سائر الصفات وهي من صدق بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبكل ما جاء به القرآن والبعث والجنة والنار والصلاة والزكاة وغير ذلك مما قد أجمعت الأمة على أنه لا يكون مؤمنا من لم يصدق به وهذا خلاف اللغة مجرد فإن قالوا إن الشريعة أوجبت علينا هذا قلنا صدقتم فلا تتعلقوا باللغة حيث جاءت الشريعة بنقل اسم منها عن موضوعه في اللغة كما فعلتم آنفا سواء بسواء ولا فرق
قال أبو محمد ولو كان ما قالوه صحيحا لوجب أن يطلق اسم الإيمان لكل من صدق بشيء ما ولكان من صدق بالأهية الحلاج وبالأهية المسيح وبالأهية الأوثان مؤمنين لأنهم مصدقون بما صدقوا به وهذا لا يقوله أحد ممن ينتمي إلى الإسلام بل قاله كافر عند جميعهم ونص القرآن يكفر من قال بهذا قال الله تعالى « ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا » فهذا الله عز وجل شهد بأن قوما يؤمنون ببعض الرسل وبالله تعالى ويكفرون ببعض فلم يجز مع ذلك أن يطلق عليهم اسم الإيمان أصلا بل أوجب لهم اسم الكفر بنص القرآن
قال أبو محمد وقول محمد بن زياد الحريري لازم لهذه الطوائف
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 190
مساهمون: ابن حزم
ص١٩٠