بذلك وكنا حينئذ نقول أنه لا كالأجسام كما قلنا في عليم وقدير وحي ولا فرق وأما لفظة شيء فالنص أيضا جاء بها والبرهان أوجبها على ما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى وقالت طائفة منهم أنه تعالى نورا واحتجوا بقوله تعالى « الله نور السماوات والأرض »
قال أبو محمد ولا يخلو النور من أحد وجهين إما أن يكون جسما وإما أن يكون عرضا وأيهما كان فقد قام البرهان أنه تعالى ليس جسما ولا عرضا وأما قوله تعالى الله نور السماوات والأرض فإنما معناه هدى الله بتنوير النفوس إلى نور الله تعالى في السماوات والأرض وبرهان ذلك أن الله عز وجل أدخل الأرض في جملة ما أخبر أنه نور له فلو كان الأمر على أنه النور المضئ المعهود لما خبأ الضياء ساعة من ليل أو نهار البتة فلما رأينا الأمر بخلاف ذلك علمنا أنه بخلاف ما ظنوه
قال أبو محمد ويبطل قول من وصف الله تعالى بأنه جسم وقول من وصفه بحركة تعالى الله عن ذلك أن الضرورة توجب أن كل متحرك فذو حركة وأن الحركة لمتحرك بها وهذا من باب الإضافة والصورة في المتصور لمتصور وهذا أيضا من باب الإضافة فلو كان كل مصور متصورا وكل محرك متحركا كالوجب وجوب أفعال لأوائل لها وهذا قد أبطلناه فيما خلا من كتابنا بعون الله تعالى لنا وتأييده إيانا فوجب ضرورة وجود محرك ليس متحركا ومصور ليس متصورا ضرورة ولا بد وهو الباري تعالى محرك المتحركات ومصور المصورات لا إله إلا هو وكل جسم فهو ذو صورة وكل ذي حركة فهو ذو عرض محمول فيه فصح أنه تعالى ليس جسما ولا متحركا وبالله تعالى التوفيق وأيضا فقد قدمنا أن الحركة والسكون مدة والمدة زمان وقد بينا فيما خلا من كتابنا أن الزمان محدث فالحركة محدثة وكذلك السكون والباري تعالى لا يلحقه الحدث إذ لو لحقه محدثا لحقه محدثا فالباري تعالى غير متحرك ولا ساكن وأيضا فإن الجسم إنما يفعل آثارا في الجسم فقط ولا يفعل الأجسام فالباري إذن تعالى على قول المجسمة إنما
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 119
مساهمون: ابن حزم
ص١١٩