الأفعال الحياتية اليوميّة ، كقدرة الشخص على تحريك أعضائه مثلاً باختياره ، انعزلت قدرته عن تلك الأفعال ، فإنهم في شبهتهم المذكورة افترضوا أن إقدار الله عزّ وجلّ وتمليكه بعض الأفعال لبعض المخلوقات وأنها استقلال للمملوك عن المالك ، كإستدرار الفيض الإلهي عن طريق الوسائط تفويض وغلو في تلك المخلوقات ، وحيث أنه مما لا ريب فيه أن الله تعالى - كما هو المشاهد حسّاً والمعلوم وجداناً - أقدر الموجودات المادّية على الكثير من الأفعال التي نراها يومياً ، فإنه يقتضي اعتقادهم بمقالة المعتزلة التفويضية المغالية ، وهي أن المخلوق محتاج إلى الخالق حدوثاً لا بقاءً ، وأن الله تعالى بعد أن خلق الموجودات انعزلت قدرته عنها في البقاء والعياذ بالله - .
ولا فرق بين فعل وفعل من الناحية العقلية ، فإذا كان التوسّل وجعل الوسيلة والشفاعة لبعض المخلوقات يوجب التفويض العزلي ، فكذلك إقدارهم على أفعالهم الحادثة اليومية لابدّ أن يكون أيضاً محكوماً بقانون التفويض العزلي ، وأن الله تعالى انعزل عن مخلوقاته بعد أن أوجدها وأقدرها وملّكها لأفعالها .
ولا شك أن هذا التفكير مبنيّ على الموازين الحسّية المادّية ، ودعوى الفرق بين الأفعال الدنيوية الصغيرة والأفعال التدبيرية الخطيرة ، كتدبير السماوات والأرض ، وإيصال فيض الله تعالى إلى الموجودات المادّية الدانية في الوجود ، حيث آمنوا ببطلان التفويض بجعل وسائط في الفيض ، وصحّحوا مقولة التفويض في صغائر الأمور والأفعال المادية الدنيويّة غير الخطيرة .
مع أن موازين بطلان التفويض موازين عقلية لا يفرق فيها بين الأفعال الصغيرة والخطيرة ; لأن التفويض يوجب الشرك وهو باطل على جميع
الإمامة الإلهية ، محاضرات آية الله الأستاذ الشيخ محمد السند — صفحة 277
مساهمون: الشيخ قيصر التميمي
ص٢٧٧